ثلاثة أشهر هزت سوريا
1       2       3       4       5
1       2       3       4       5
إذاً لنبدأ مع سيادة العماد و لنستعرض ما قاله مباشرة في كتابه ثلاثة أشهر هزت سورية، على أني سأضيف تعليق فرسان سوريا على الفقرات التي تستدعي التعليق تحت الفقرة المعنية مباشرة. التعليق سيبدأ بـ (-) و سيكتب ضمن إطار أخضر.
في منتصف شهر شباط عام 1984 وجّه القائد الأسد بنقل قائد الكتيبة 170(*) وهي الوحدة المكلفة بحراسة مبنى القيادة العامة ووزارة الدفاع وكان قائد الكتيبة العقيد سليم بركات من أتباع العميد رفعت الأسد ومن المحسوبين عليه شخصياً وقد تمكّن رفعت من إقناع الرئيس الأسد بتعيين هذا الضابط (رغم قلة كفاءته المسلكية) في فترة نشاط الإخوان المسلمين في أواخر السبعينيات، ورغم معرفتي بتفاهة هذا الضابط ويشاركني في الرأي رئيس الأركان العماد حكمت الشهابي ورئيس شعبة المخابرات اللواء علي دوبا فإننا لم نبد رأينا بصراحة وتركنا الأمر بصدر دونما لفت نظر للسيد الرئيس لأننا كنا نعلم أن رفعت كان هو وراء هذا التعيين وكان الهاجس الأمني هو المسيطر على ذهن السيد الرئيس ولذلك كانت الكفاءة العسكرية تتراجع إلى المرتبة الثانية.

(*) كان القائد الأسد يهدف من وراء عملية النقل حماية القيادة العامة من سيطرة العميد رفعت المباشرة عليها كما أن تغيير القائد المحسوب شخصياً على رفعت وبخاصة في هذا المركز وفي هذا الظرف يعني أن صاحب القرار في تعيين الضباط ونقلهم هو الرئيس حافظ الأسد قولاً واحداً، كما أن نقل هذا الضابط يعتبر أول ثقب في قلعة رفعت الأسد
إقالة قائد الكتيبة 170
في أوائل شهر شباط من العام 1984 كنت متوجهاً إلى مكتبي في القيادة العامة ولدى مروري قرب حديقة الجاحظ لاحظت عدة صور ملصقة على الحيطان لشقيق الرئيس "العميد رفعت الأسد" وكانت الصورة تمثله وهو رافعاً قبضة يده كدليل على القوة والتحدّي.. ولم أكن مرتاحاً نفسياً لهذه المناظر المؤذية والغبية، وقلت بنفسي طالما أنني انزعجت منها فلابد أن الرئيس حافظ الأسد سيكون أشدّ انزعاجاً لأنّ هذا الموضوع يخصّه بالدرجة الأولى قولاً واحداً.






















كان الرئيس الأسد الشخص الوحيد الذي يتابع المواضيع الأمنية داخل الوحدة (569) (سرايا الدفاع) ذلك أن العميد رفعت عندما يستشعر أن أحد ضباط الأمن في وحدته يتعامل مع شعبة المخابرات كان يزجّ به في السجن الخاص بالوحدة ولا يعود أحد يعرف عنه شيئاً لذلك أصبحت الوحدة تشكل (غيتو) خاص يصعب انتهاكه.
ومع هذا فقد كان للقائد الرئيس حافظ الأسد بعض الضباط داخل الوحدة يزوّدونه بأخبارها الخاصة عبر قنوات سريّة للغاية لم يستطع حتى (رفعت) نفسه أن يحيط بها، وبدأت تتشكل القناعة لدى القائد الأسد أن رفعت يبيّت شيئاً ما وأن الوحدة في حالة استنفار دائم مع أن الظروف المحلية لم تكن تستوجب ذلك..
مقدمة الكتاب
- إذاً موضوع الصور يخص الرئيس و لا يخص وزير الدفاع، و رغم عدم ارتياحه لمشاهدة الصور إلا أنه كتم غيظه و أطبق فمه.  و السبب طبعاً هو أن وزير الدفاع لم يكن يملك الجرأة لمناقشة موضوع الصور مع العميد رفعت. و لكن لا بأس عليك سيدي فـ "ليس العجز ضعفاً".

- كان الرئيس الأسد الشخص الوحيد الذي يتابع المواضيع الأمنية داخل الوحدة 569..ألخ   و هنا نستطيع تلمس الحرج و الإرتباك الذي انتاب سيادة العماد و هو يسطر هذه الكلمات، و كان من الأبسط أن يقول: لقد كانت الوحدة 569 مستقلة (بكامل قوامها) عن وزير الدفاع. وزير الدفاع الذي يُفتَرَضُ فيه فرض كامل سيطرته على كافة وحدات الجيش، و هو مع هذا لم يقدم  استقالته، و لا حتى قصاصة احتجاج، اعتراضاً على هذا الأمر. و لكنه هنا معذور أيضاً. فنحن ندرك أن قرار الإستقالة يحتاج إلى عزيمة الرجال الأشداء، و إرادة تتصاغر أمامها المغريات .

- يعني أنا لم أفهم كيف بدأت تتشكل القناعة عند الرئيس بأن العميد رفعت يبيّت شيئاً لمجرد وجود حالة استنفار في الوحدة. هل جواسيس الرئيس الذين تفترض أنهم كانوا يعملون في الوحدة هم من أبلغ الرئيس بنيّة العميد رفعت المبيّتة؟ أما حالة الإستنفار فالثابت أن سرايا الدفاع لم يمر عليها عشرة أيام بدون استنفار منذ 1978 حتى 1984 فما الجديد إذن؟
- لماذا لم تلفت و مرؤوسيك نظر السيد الرئيس إلى "تفاهة" هذا الضابط؟ آها..لأن الهاجس الأمني كان هو المسيطر على ذهن السيد الرئيس!!

و هكذا استطاع "الضابط التافه" أن يوفر الغطاء الأمني لمبنى القيادة العامة من أواخر السبعينات حتى 1984، أي في ذروة الإضطرابات الداخلية.

أما العماد طلاس "الغير تافه" فقد حجب عن السيد الرئيس واحدة من أهم المعلومات التي تساعده على اتخاذ القرار الصائب، و الخاص هنا بتعيين قائد الوحدة المكلفة بحماية مبنى القيادة العامة و وزارة الدفاع.     


(*) هل قال لك هذا سيادة الرئيس شخصياً؟ حسناً سنفترض هذا، و سؤالي لك سيادة العماد هل نفهم من كلامك هنا أن العقيد سليم بركات "التافه" كان هو المسيطر على قرارات القيادة العامة و وزارة الدفاع، بما فيها تعيين الضباط و نقلهم؟ ماذا كان سيفعل إذاً لو كان غير تافه؟
ولما كان أول الغيث قطرة فقد صدر الأمر بنقل الضابط المذكور بتاريخ 19/2/1984 وتعيين المقدّم علي يونس عوضاً عنه وتم إبلاغ أمر النقل لقائد الكتيبة (170) من قبل العماد حكمت الشهابي لأنه يتبع إليه مباشرة، وكان ذلك في 18/2/1984 الساعة الحادية عشرة صباحاً كما تم إبلاغ اللواء علي دوبا من قبل العماد حكمت أيضاً بأن قائد الكتيبة المنقول محظر عليه دخول مبنى القيادة العامة بتاتاً.

غادر قائد الكتيبة (170) مبنى القيادة العامة وهو بحالة غضب شديد وتوجّه مباشرة إلى مقر قيادة العميد رفعت الأسد في القابون وشكى له الأمر وكان توجيه رفعت للضابط بأن يعود مساءً إلى قيادة الكتيبة ويتسلّم قيادتها من جديد وكان العميد رفعت يعتقد بداخل نفسه بأن القائد الأسد أصدر أمراً بنقل أربعة عشر ضابطاً من المحسوبين على رفعت الأسد بتاريخ سابق ولم ينفذ أحداً منهم الأمر، وسكت الرئيس الأسد على مضض ولو لم يكن هؤلاء محسوبين على شقيقه رفعت لكان مصيرهم السجن أو العزل من الجيش في أضعف الاحتمالات

في الساعة الخامسة بعد الظهر عاد قائد الكتيبة المنقول العقيد سليم بركات إلى مقر القيادة العامة ولم يمانع الحرس لأنهم أساساً من عناصره وطلب إلى قيادة السرايا أن يجمعوا له عناصر الكتيبة بلباس الميدان الكامل وبعد دقائق كان الاجتماع جاهزاً في ساحة الأركان الخلفية فخطب بهم قائلاً: "لقد عيّنت قائداً للكتيبة بتوجيهات من العميد رفعت الأسد ولن أغادر هذه الكتيبة إلا بأوامر شخصية من القائد رفعت الأسد".
وعلمَ اللواء علي دوبا بالأمر من قائد الكتيبة الجديد فتوجّه مباشرة بسيارته إلى مقر قائد الكتيبة وطلب إلى العقيد أسعد صباغ والمرافقة أن تلحق به وصعد مباشرة إلى حيث يتواجد العقيد بركات وتوجّه نحوه قائلاً: لقد انتهى كل شيء ولم يعد لك مكان في هذه الكتيبة وعليك أن تغادر فوراً. وصرخ العقيد بركات وهو شاهراً مسدسه: سيدي اللواء لا تقترب مني رجاءً.. فقال له اللواء دوبا بل سأقترب منك يا ابن الكلب..
وفي هذه اللحظة وصل العقيد صباغ وعناصر المرافقة (أربعة مساعدين مسلحين بالبنادق الروسية) وقاموا بتجريد العقيد بركات من سلاحه وهتف اللواء دوبا إلى العماد حكمت بأن المسألة قد حُلّت.. والتفت إلى العقيد سليم قائلاً: أتشهر مسدسك عليّ يا سليم؟ فقال له: معقول يا أبا محمد أن أشهر مسدسي عليك.. وهنا قام اللواء دوبا بصفع العقيد بركات على خدّه: أنا اللواء علي دوبا ولست أبو محمد سأحاكمك يا سليم بركات. ثم أمر اللواء دوبا بإطفاء الأنوار في الكتيبة وأمر العقيد أسعد صباغ بإنزال العقيد بركات في سيارته وزجّه في سجن الشرطة العسكرية بموقع القابون وانتهت الحادثة بدون ضجيج وبقي الذين يعلمون بها محصورين في أشخاص معدودين
- لاحظ عزيزي القارئ كيف ذكر سيادة العماد هذه الحادثة بالتفصيل الممل و بطريقة لا تخلوا من التشفي و التشهير بضابط برتبة عقيد.

إذاً أخيراً تخلص سيادة العماد من العقيد "التافه" الذي حماه طيلة فترة الإضطرابات الداخلية و الفضل يعود إلى اللواء علي دوبا.

و رغم تحفظي على هذه الأقصوصة إلا أنه كان يمكنني (أدباً) أن أصدقها كما وردت، لولا أنه لم يتهم 14 عشر ضابطاً من رجالات القائد برفض أو تجاهل أوامر سيادة الرئيس، و هذا إن دل على شيئ فإنما يدل على جهل العماد طلاس بسيادة الرئيس و جهله أيضاً بسيادة القائد.

فليس حافظ الأسد من تُخالف أوامره في سوريا و ليس رفعت الأسد من يشجع ضباطه على تجاهل أوامر الرئيس.

ربما أصدر السيد الرئيس أمراً بنقل عدد من الضباط و لكن لا يمكننا استبعاد قيام سيادة القائد بالتدخل لدى الرئيس لتأجيل أمر النقل أو حتى إلغاءه تبعاً لمستجدات العمل أو أي أحداث الطارئة. و هذا كان يتكرر ليس في سرايا الدفاع فقط بل في كل وحدات الجيش.    

و هنا عزيزي القارئ يمكنك تخيل ما كانت عليه الأوضاع في تلك الفترة و ما تخللها من بث للفتن كادت أن تقضي لاحقاً على مئات الآلاف من المواطنين.
بداية المواجهة الحامية بين الطرفين
لم يهضم العميد رفعت الأسد هذا الإجراء ولذلك قرر المواجهة بعد نصائح أصدقائه في الداخل والخارج وبخاصة أصدقاءه (طويلي العمر)(*) التي كانت توحى إليهم التوجيهات بشكل مباشر من واشنطن التي أخفقت معها كافة الأساليب للسيطرة على قرار الرئيس حافظ الأسد المستقل والذي يخدم المصلحة السورية ويتناغم مع مصلحة الأمة العربية، ولهذا وجدت الفرصة مناسبة لكي توجّه عملاءها نحو تصعيد الأمور في وجه الرئيس الأسد لأن شقيقه رفعت سيكون حتماً مطواعاً لسياسة البيت الأبيض وعلى النقيض من شقيقه وفقاً لحساباتهم ومعلوماتهم ومعلومات أصدقائهم (أعني طويلي العمر) وكما ذكرت فإن الرئيس الأسد كان الشخص الوحيد في القوات المسلحة الذي يمسك ببعض الخيوط الأمنية في سرايا الدفاع وعندما تأكّد أن المواجهة قادمة لا محالة وأن رفعت الأسد قد رفع الجاهزية القتالية في سرايا الدفاع منذ أسبوع أي أن العملية جديّة وليست عملية اختبارية لتفقّد الجاهزية القتالية للتشكيل.

(*) المقصود بذلك الأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد في المملكة العربية السعودية والنائب الأول لرئيس الوزراء وقائد الحرس الوطني.. وللأمانة فقد عاد هذا الرجل إلى طريق الحق وأصبح موالياً للرئيس حافظ الأسد بعدما تبيّن له نوايا رفعت الخبيثة
الوحدات الخاصة تبدل ولاءها
في الساعة التاسعة صباحاً كان في مكتبي العميد صبحي الطيب ورئيس أركانه العقيد محسن سليمان وأعطيتهما فكرة عن الموقف وقلت لهما: لا بد من قلب معادلة الأمن القريب وهذا لا يكون بعناصر الشرطة العسكرية وإنما برجال من المغاوير المتمرسين على القتال ولذلك أطلب إليكما باسم الرئيس حافظ الأسد أن تأمرا كافة الجنود والضباط الذين بإمرتك أن يتوجهوا فوراً من مكان تمركزهم إلى معرض دمشق الدولي.
وهو المكان الذي حددته كنقطة ازدلاف للجميع.. وذلك لقربه من القيادة العامة ولأن أجنحته المتعددة والواسعة تسمح بمبيت الرجال دون أن نلفت انتباه أحد.
وعندما سألني العقيد محسن: كيف نتصرف إذا حاولت مفارز سرايا الدفاع من الألوية المحيطة بدمشق منعنا؟..
وكان جوابي: إن الحركة يجب أن تكون إفرادية على السيارات العابرة وبواسطة عربات المبيت شريطة أن لا تشكل العربات أي رتل إطلاقاً وعندما تواجهون عناصر سرايا الدفاع عليكم بضربهم بأخمص البندقية وإذا استمروا في الممانعة فما عليكم إلا أن تقلبوا لهم ظهر المجن وتوجهوا لهم فوهة البندقية التي تنبع منها السلطة السياسية في الحالات الثورية كما قال الرفيق ((ماوتسي تونغ)). عند ذلك سوف تجدونهم يفرون من المجابهة لأن إرادة القتال لديكم أقوى بكثير وأنتم حماة السلطة وهم الخارجون على القانون.
وأخيراً سألني العميد صبحي الطيب والعقيد محسن سليمان:
طيب ماذا سنقول للواء علي حيدر إذا سألنا عن سبب إرسال قواتنا إلى دمشق من دون علمه؟.
فقلت لهم: الجواب في منتهى البساطة لقد سأل عنك العماد طلاس فلم يجدك ونظراً لخطورة الحالة فقد استدعانا إلى مكتبه وطلب إلينا تنفيذ توجيهات الٍأسد وهكذا صار..
وصافحتهما متمنياً لهما التوفيق. وتوجه قائد الفوج ورئيس أركانه إلى منطقة عنجر وقاما بتنفيذ المهمة على أكمل وجه.

في الساعة التاسعة والنصف صباحاً حضر إلى مكتبي العماد حكمت الشهابي والعماد علي أصلان حيث وضعتهما في صورة الموقف قلت لهما:
إن سبب عدم استدعاءهما كان أولاً من أجل تنفيذ عملية الاستنفار بشكل سري بحيث لا تعرف به شعبة العمليات إلا لاحقاً حتى لا يعرف العميد رفعت الأسد بالموضوع, هذا من جهة, ومن جهة ثانية لم يكلفني ذلك سوى بضعة اتصالات هاتفية مع قادة الفرق وقادة التشكيلات وأنتما معتبران حكما مع الرئيس حافظ الأسد قولاً واحداً. وكان جوابهما: إن هذا الموضوع لا يحتاج أبداً إلى نقاش فنحن مع القائد الأسد على السراء والضراء.

في الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر حاولت أن أخلد إلى النوم بعد عمل أربعة عشر ساعة متواصلة ولكن مدير مكتبي بعث إلي بقصاصة يعلمني بها بأن اللواء علي حيدر يرغب في مقابلتي.. قلت له: دعه يدخل.
واستقبلته كالعادة لكنني لاحظت علائم الاضطراب على وجهه فبادرني قائلاً:
سيدي ماذا صنعت أنا لكم وللرئيس حتى تعاملوني كالزوج المخدوع أي آخر من يعلم؟..
وكان الرئيس الأسد قد رسم لي خطة لمعالجة هذا الموقف الطارئ.. قلت له بوضوح:
إذا كنت حقاً معنا فما عليك إلا أن تطلب من مكتبي العميد رفعت الأسد وتقول له بصراحة موقفك وعند ذلك فقط سوف أتصل أمامك مع الرئيس وسوف أرسلك لمقابلته فوراً لجلاء أي موقف غامض متشكل في قناعة السيد الرئيس فقال لي: اطلب لي العميد رفعت حالاً..
وطلبت العميد رفعت على الهاتف المباشر وكان على الخط في أقل من ثوان وقلت له:
أخي أبو دريد اللواء علي حيدر يريد أن يكلمك.
فسألني: هل هو عندك!. فأجبته طبعاً.
فقال لي: صار لي من الصبح وأنا أفتش عنه دونما جدوى . وناولته سماعة الهاتف فقال له اللواء علي حيدر:
أبو دريد ما بتعرف أنه في هذا البلد لا يوجد سوى قائد واحد وهو الرئيس حافظ الأسد.. كيف يقوم عناصر من سرايا الدفاع بهذه الأعمال المشينة التي تسيء إلى انضباط القوات المسلحة(*) وكان جواب العميد رفعت:
أنت الآن تريد أن تعطيني درساً في الوطنية يلعن أبوك ابن كلب. وأغلق السماعة في وجهه فقال لي اللواء علي حيدر: "عجبك" لقد شتمني وأغلق الهاتف في وجهي.. قلت له: الآن حق الحق.. واتصلت بالسيد الرئيس وأعلمته بالحادثة فقال لي:
أرسله فوراً إلى القصر الجمهوري. وتوجه من مكتبي إلى القصر وتم التأكيد على ولاء الوحدات الخاصة للرئيس الأسد، وطبق اللواء علي حيدر حكمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب "الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل".

(*) كان من المصادفات الجميلة أن اللواء علي دوبا كان في تلك اللحظة بزيارة استطلاعية للعميد رفعت الأسد وقد سمع المحادثة مباشرة
- لماذا بدل الأمير عبد الله موقفه لاحقاً عندما أكتشف "النوايا الخبيثة"؟

ألست تقول أن طويل العمر كان من محرضي العميد رفعت على المواجهة و هو من نصحه بها؟ فهل أنت أهبل أم ماذا؟

و للعلم فإن الملك عبد الله حفظه الله لم يبدل و لم يغير من موقفه لأنه ببساطة لم يكن يتدخل بشؤون سوريا الداخلية.

(*) لقد كانت العلاقة التي تربط بين سيادة القائد و بين الدول العربية الأخرى تقضي مضجع العماد طلاس، حسداً و غيرة، لأنه لم يتمكن من إقامة أي علاقة تذكر مع الآخرين خارج حدود مكتبه.
و لهذا السبب فقد كان يعمل على قدم و ساق لضرب تلك العلاقة بوصمها بالتآمر على البلد تارة و التعامل مع أمريكا تارة أخرى.
وفي الساعة الثانية إلا ربعاً من صباح 25/2/1984 هتف لي الرئيس الأسد إلى المنزل وأعطاني التوجيه التالي: "ارتدي لباسك العسكري وتوجّه مباشرة إلى مكتبك في القيادة العامة واستنفر التشكيلات الضاربة القريبة من دمشق، وارفع درجة استعدادها القتالي إلى الكامل لأن العميد رفعت الأسد استنفر سرايا الدفاع بالكامل وهو يعدّ العدة للسيطرة على دمشق لذلك يجب أن تتخذ كافة الإجراءات لإحباط خططه وليكن في علمك أن رفعت الآن جادّ هذه المرة في موقفه وأنا أعرف أنك لا تخاف من أحد ولكن يجب أن تضع في اعتبارك أن المواجهة قائمة لا محالة ولذلك ليس أمامك من طريق سوى إشعاره بأن المواجهة مع الجيش ستكون عملية انتحارية له ولكافة أتباعه".
وفي دقائق معدودة كنت مرتدياً لباس الميدان ووصلت إلى مبنى القيادة العامة الساعة الثانية وخمس دقائق واستنفرت فوراً لواء الصواريخ المحمول على دبابات والذي تبلغ دقته بضعة أمتار كما استنفرت اللواء (65) المضاد للدبابات والذي يقوده العميد علي هرمز والوحدة (549) (سرايا الصراع ضد الدبابات) والتي يقودها العميد عدنان الأسد (ابن شقيق السيد الرئيس) كما استنفرت قائد الفرقة الأولى اللواء إبراهيم صافي وقائد الفرقة الثالثة اللواء شفيق فياض وقائد الفرقة السابعة العميد علي حبيب وقائد الفرقة التاسعة اللواء عدنان بدر الحسن وتم هذا الإجراء في أقل من خمس دقائق وبعد ذلك وصل إلى مكتبي تباعاً اللواء علي دوبا واللواء محمد الخولي وقال لي كل منهما: إن الرئيس الأسد وضعنا تحت تصرفك لكي ننجز المهمة التي كلفت بها, قلت لهما: لقد استنفرت الوحدات والتشكيلات التي سبق ذكرها ودونكما الهواتف على مكتبي وقوما باستنفار الوحدات القريبة من دمشق, وبدا مكتبي وكأنه غرفة عمليات وكل واحد منا يتكلم مع قائد تشكيل ويطلب إليه رفع الاستعداد القتالي على الكامل..
وهكذا تم استنفار بقية ألوية مدفعية احتياط القيادة العامة وسرايا المهام الخاصة في شعبة المخابرات وسرايا الشرطة العسكرية ومفارز مخابرات القوى الجوية.. يعني لم نترك قائداً قريباً من دمشق وبإمرته وحدة مقاتلة إلا وتم رفع جاهزيته القتالية إلى الكاملة, مع تأكيدنا لكافة الضباط أن الرئيس الأسد يضع ثقته المطلقة بهم.
وأعلمت الرئيس الأسد عن الوضع في الجيش وأن الوحدات والتشكيلات القريبة من دمشق أصبحت جاهزة لتلقي أية مهمة وشكرني على هذا الإنجاز وأوصاني بالمتابعة..
وهنا لا بد من أن أقول كلمة حول ذاكرة الرئيس الأسد بأسماء التشكيلات وأرقامها.. فلم يترك سرية أو كتيبة أو لواء أو فرقة في القوات المسلحة إلا وذكرها وطلب استنفارها وعندما كنت أقول له: لقد تم الأمر سيدي, وبعد خمس دقائق يرن جرس الهاتف والمتكلم كان بالطبع الرئيس الأسد الذي كان يذكرني بوحدة جديدة وكنت أقول له لقد تم استنفارها ولم تهدأ المكالمات والاتصالات إلا حوالي السابعة صباحاً حيث طلبت من الرئيس راجياً أن يخلد إلى الراحة ويأخذ قسطاً من النوم وقلت له مازحاً: ((بقي رب العالمين لم نستنفره بعد))!. فقال ضاحكاً: لأنه معنا, طيب الله يعطيك العافية.

كان اللواء علي دوبا واللواء محمد الخولي قد استأذنا في الساعة الرابعة صباحاً للنوم في مكاتبهما وبقيت لوحدي في المكتب أتلقى اتصالات السيد الرئيس. وفي إحدى المكالمات قلت للرئيس:
صحيح أننا غيرنا قائد كتيبة الحراسة لكننا لا نعرف الألغام التي وضعها رفعت في الكتيبة كما أن حراسة القيادة القطرية (7) القريبة من مبنى القيادة العامة هي من سرايا الدفاع ولذلك فإن أمننا القريب لا يوحي بالاطمئنان فهل تسمح لي بأن أنقل فوج من الوحدات الخاصة ليكون احتياطاً قريباً في يدي..
فقال لي: هل تستطيع ذلك دون أن تخبر اللواء علي حيدر. (وكان الرئيس الأسد يعلم بأن هناك تنسيق كامل بين شقيقه رفعت وعلي حيدر) فأجبته أنني قادر على ذلك ولما سألني أي فوج مغاوير سوف تحضر من لبنان؟..
فأجبته: الفوج /35/ الذي يقوده العميد صبحي الطيب ورئيس أركانه العقيد محسن سليمان.
فأجاب: أشك في أنك سوف تنجح في هذه المهمة!..
فقلت له: أنا على يقين من النجاح طالما أنني مغطى بأوامرك..
فقال: استخدم صلاحياتي المطلقة في هذا المجال.
وتمنى لي التوفيق.
- سوف نكتشف لاحقاً أن المعلومات التي وصلت للرئيس عن أن العميد رفعت قد أعدَّ للسيطرة على دمشق لم تكن سوى معلومات كاذبة. فمن أين استقى رئيس الجمهورية معلوماته هذه؟ و هل كان هناك معلومات من أصله؟؟ أم أن الأمر كان وراءه شيئ آخر؟

و أيضاً سنكتشف أن 90 بالمائة على الأقل من القادة الذين تم استنفارهم كانوا من المؤيدين للعميد رفعت الأسد.

على كل حال سنتقيد الآن بمتابعة ما جاء في كتاب طلاس و نقول: هنا تبداً علمية كشف الأدوار الخبيثة التي كان يقوم بها المسؤولين الحاقدين على العميد رفعت الذين كانوا ينقلون المعلومات الكاذبة للرئيس حافظ الأسد رحمه الله. و لهذا الحقد طبعاً أسبابه التي سنتطرق إليها لاحقاً.
- العماد طلاس يصف اللواء علي حيدر بأنه كان موالياً للعميد رفعت و بالتنسيق الكامل معه. و التنسيق الكامل يفترض تبادل المعلومات و المصادقة من قبل الطرفين على أجندة عمل ما. ولكن يظهر هنا و بلسان العماد طلاس أن اللواء علي حيدر "كان آخر من يعلم"!!  فكيف تستقيم أنباءك يا سيادة العماد؟

أما بالنسبة لتحرك قوات العقيد محسن سلمان من بيروت إلى دمشق فإن هذا الأمر لم يكن ليمر دون علم قائد سرايا الدفاع و أنت تعلم يا طلاس أنه قد تم أعتقالهم كلهم على مدخل دمشق من قبل دوريات سرايا الدفاع و قد تم سجنهم لمدة 24 ساعة قبل يأمر قائد سرايا الدفاع بإطلاق سراحهم
فلماذا لم تذكر هذه التفاصيل هنا؟

العماد طلاس يخاطب العميد رفعت بـ "أخي" و هو الذي بقي يعمل لأربعة عشر ساعة و هو يحشد القوات ضد "أخيه"  

و بالنسبة لإتصال اللواء علي حيدر فإننا نؤكد أن هذه المكالمة لم تتم على الإطلاق. بل الذي أتصل هو العماد طلاس و قال للعميد رفعت: أخي أبو دريد يوجد عندي اللواء علي حيدر و نحن نرجوك أن تعيد حساباتك. فقال العميد رفعت: يلعن أبوك على أبو حساباتك يا أبن الكلب. و أغلق في وجهه الهاتف.

(*) يحدثنا العماد طلاس عن مواجهة مرتقبة و أجواء مشحونة، و بنفس الوقت العميد رفعت يستقبل اللواء علي دوبا و يسمح له "بالإستطلاع" و يستقبل هاتف العماد طلاس بشكل ودي.
فهل نحن أمام أجواء مشحونه من طرف واحد؟
وفي الساعة السابعة مساءً أخذت العلم بأن ألفي ضابط وصف ضابط وجندي من الوحدات الخاصة أصبحوا متمركزين في معرض دمشق الدولي، وبذلك أصبح الأمن القريب لمبنى القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة جيداً وانقلبت المعادلة لصالحنا كنسبة وتناسب في القوى والوسائط.

ولم أكتف بذلك فطلبت على العميد عدنان الأسد أن يرسل سريتي م/د واحدة (مالوتكا) حقائب والثانية من طراز (فاغوت) وتم تمركزهما على سطح مبنى القيادة العامة, وبذلك غدت القيادة العامة قلعة محصنة لا تنتهك.
كان لا بد من إصدار الأمر بتشكيل الحرس الجمهوري لإفهام القوات المسلحة بخاصة وباقي فئات الشعب بعامة بأن القصر الجمهوري يحرسه الحرس الجمهوري ولم يعد لسرايا الدفاع أي دور في حماية السيد الرئيس. واتفقنا أن يكون قوام الحرس الجمهوري فرقة مدرعة يضاف إليها ثلاثة أفواج حراسة تماثل ملاكاتها أفواج المغاوير في الوحدات الخاصة. وحتى يولد الحرس الجمهوري واقفاً على رجليه من لحظة تشكيله اقترحت على سيادة الرئيس أن نأتي بوحدات جاهزة من الفرق والتشكيلات مباشرة, وضربت مثلاً إذا أخذنا كتيبة مشاة أو دبابات أو مدفعية من أي فرقة فلن تتأثر جاهزيتها ومن السهل عليها تشكيل كتيبة أخرى من قوام الفرقة وهكذا ظهر في أمر التشكيل لأول مرة اسم الوحدة التي ستنضم إلى الحرس الجمهوري.. وقد حاول رفعت الأسد عرقلة هذا التشكيل الذي اعتبره ضربة موجهة إلى عنقه, ومنع بالقوة بعض الكتائب من الالتحاق بالحرس الجمهوري إلا أن وحدات الدبابات تمكنت من خرق الحصار له والتحقت بالتشكيل الجديد, وكان في المقدمة الكتيبة /259/ من اللواء /81/ الفرقة الثالثة أول الملتحقين وإني لأشعر بالزهو الاعتزاز بأن هذه الكتيبة هي أول كتيبة دبابات تسلمت قيادتها في حمص بعد ثورة الثامن من آذار المجيدة, وهكذا بدأ الحرس الجمهوري يقف تدريجياً على قدميه ليقوم بمهمته النبيلة.
تشكيل الحرس الجمهوري
- علامَ هذه العدوانية تجاه سرايا الدفاع يا وزير الدفاع؟

فإذا كان الرئيس و مبنى القيادة العامة و وزارة الدفاع (أي جميع أهل الحكم ) هم بحماية سرايا الدفاع من أوائل السبعينات لغاية 1984 و قد قامت بواجبها على أكمل وجه بدليل أن الرئيس و أنت و من على شاكلتك لم تصابوا بأي أذى رغم الحرب الداخلية الشرسة مع الإخوان المسلمين، فهل جزاء سرايا الدفاع هو التآمر عليها و على قائدها؟

من ناحية أخرى، لو كان لقائد سرايا الدفاع "نوايا خبيثة" كما تدعي، و طالما أنك كنت بحماية سرايا الدفاع، ألم يكن قائد سرايا الدفاع قادراً عملياً على أن يأتي بك و بمن هو على شاكلتك ليدق عنقك و عنق رفاقك بأي لحظة؟

- أنت تشعر بالزهو و الإعتزاز لأنك أتيت بأول كتيبة تسلمت قيادتها للإلتحاق بالحرس الجمهوري..هذا أنت

أما نحن في سرايا الدفاع فإننا نشعر بالفخر و الإعتزاز أننا نحن الذين حررنا القنيطرة من الإحتلال الإسرائيلي و نحن الذين حاربنا الجيش الإسرائيلي في لبنان، نحن من دافع عن سوريا و عن رئيس سوريا، نحن من حقق الإستقرار لسوريا بعد أن كانت في مهب الريح.
تهريب الأسلحة المضادة للدبابات في العربة الصحية
كان منزل الرئيس الأسد هو الهدف الأول لسرايا الدفاع ولذلك فقد كان يشكل بالنسبة لي هاجساً أمنياً يؤرقني ليل نهار.. ولكن هذا الهاجس كان بالنسبة للعميد عدنان مخلوف (الذي عين قائداً للحرس الجمهوري) كابوساً لا يطاق. ولما كانت وحدة سرايا الصراع التي يقودها عدنان الأسد مرشحة للاصطدام فوراً بعناصر سرايا الدفاع التي سوف تتحرك باتجاه دمشق, فقد رأيت من الأفضل أن نسحب صواريخ ((الفاغوت)) من اللواء /65/ م/د ولما كان العميد رفعت قد نشر ألويته المحيطة بدمشق وأصبح مسيطراً على المداخل فقد اتفقت مع العميد عدنان بأننا سوف نلجأ لتهريب الصواريخ إلى منزل الرئيس الأسد بالعربات الصحية وعليه أن يفرغ حمولة العربات ويعيدها إلى مصدرها.. واتصلت بالعميد هرمز قائد اللواء أن يحضر ثمانية عشر قاعدة صاروخية من طراز ((فاغوت)) مع ثلاث وحدات نارية لكل قاعدة ويرسلها إلى منزل الرئيس الأسد على دفعات (عربات منفردة) وأن يربط جندياً بالشاش الأبيض من يديه ورأسه ويكون (الميكروكروم) بديلاً للدم النازف, وفهم قائد اللواء الغاية من العملية التمثيلية وقلت له: يجب أن توصي سائق الصحية بأن يفتح (زمور الخطر) قبل الحاجز بمدة كافية وأن يسابق الريح في الوصول إلى دمشق.. وهكذا انطلت اللعبة على العميد رفعت وتم نقل كافة القواعد الصاروخية المطلوبة وأصبحت حول منزل الرئيس الأسد.. ولكن هذا الموضوع لم يبق سراً بيننا نحن الثلاثة وإنما شاركنا العميد رفعت بالمعلومات عن طريق وشاية قام بها أحد عملائه في اللواء /65/ وهو الرائد ((يوسف العلي)), وقد كشف هذا المغفل عن نفسه بسرعة ولذلك وضعه العميد هرمز تحت الرقابة المشددة, وما أن سافر العميد رفعت إلى موسكو حتى تم نقله إلى مكان ثانوي لا يستطيع به أن يعض أو يخرمش.. وتم تصنيفه في عداد الضباط غير الجديرين بثقة القيادة العامة, كما تم وضع حواجز حديدية قنفذية حول بيت الرئيس. الأمر الذي يعيق حركة الدبابات ويجعلها هدفاً ثابتاً للأسلحة المضادة, وبهذا العمل تمت عملية تحصين بيت قائد الأمة ورمزها المفدى.
- إذاً، بعد أن كان منزل السيد الرئيس بحماية سرايا الدفاع، أصبح بين ليلة و ضحاها، الهدف الأول لسرايا الدفاع !!!

على من تكذب أيها المخادع ؟؟؟ على الله أم على الوطن ؟؟؟

- لاحظ عزيزي القارئ أن سرايا الدفاع هي "المسيطرة على مداخل دمشق". و لم يقل العماد طلاس أنها هي التي بقيت لسنوات خلت تحمي دمشق و مداخل دمشق من خلال تمركز قواتها على حدود العاصمة.

- الحديث عن تهريب صواريخ (في حالتنا هذه) هو كلام أتفه من أن يخرج من وزير دفاع دولة محترمة، و لكن طالما أنه خرج من فم وزيرنا فإننا نقول له ليتك استعملت عبقريتك لتهريب الصواريخ إلى الوحدات السورية التي حاصرها الجيش الإسرائيلي عام 82 في لبنان. 

- تم نقل الرائد يوسف العلي إلى مكان لا يستطيع أن "يعض" به !! هذا ما يحسن قوله وزير دفاعنا.
تنفيذ أمر نقل الضباط المحسوبين على العميد رفعت الأسد
وفي غمرة لعبة عض الأصابع بيننا وبين العميد رفعت الأسد استأذنت السيد الرئيس القائد العام بتنفيذ أمر النقل للضباط المحسوبين على شقيقه والذين ماطلوا في التنفيذ مستندين إلى دعم العميد رفعت وتعهدت له بأن هذه العملية سوف تتم في جو ودي ولن نريق قطرة دم واحدة..

فقال لي: أشك في أنهم يقبلوا ونحن في ذروة الأزمة..
فقلت له: إذا أعطيتني الضوء الأخضر فغداً تراهم وقد أصبح كل منهم في مكانه الجديد..
فقال: إذا كنت قد عزمت فتوكل على الله..

وطلبت من مدير مكتبي أن يبلغ الضباط المنقولين وعددهم أربعة عشر بأن يتواجدوا في مكتبي غداً الساعة السادسة صباحاً.. وتم إبلاغ الضباط جميعاً وكان جوابهم:
لماذا في هذا الوقت المبكر ونحن نعلم أن العماد طلاس يبدأ دوامه الساعة العاشرة صباحاً وينتهي العاشرة مساءً فلماذا نحضر قبل الدوام الرسمي بساعة ونصف؟وكان جواب مدير المكتب: الأمر واضح ولا لبس فيه وأنتم مطلوبون غداً الساعة السادسة صباحاً.

في صباح اليوم التالي حضر الضباط المعنيون إلى مكتبي متأخرين ساعة ونصف عن الموعد ولما سألتهم عن السبب؟
أجاب كبيرهم: هل تريد أن نقول لك الحقيقة؟..
قلت: نعم.
قال: كنا عند أبي دريد.
قلت لهم: إذاً لم يكن الرئيس الأسد مخطئاً عندما نقلكم من أماكنكم وها أنتم الآن تعترفون دونما أي ضغط أو إكراه أنكم كنتم لدى قائد سرايا الدفاع.. المهم نحن الآن أولاد اليوم وعفا الله عما مضى.. ولكن قبل أن أعطيكم توجيهات القائد العام أود أن أطرح عليكم السؤال التالي: مَنْ منكم تقدّم إليَّ بطلب شخصي أو عام ولم ألبي طلبه..
فسكت الجميع ولم يحر أي منهم جواباً..
قلت لهم: إذاً لماذا تلعبون بذيولكم وتضعون ثقتكم وولاءكم لغير قائدكم..
فسكتوا أيضاً وتابعت:
الآن أمرني القائد العام أنْ أنفذ أوامره بنقلكم إلى وظائفكم الجديدة.. من ينفذ الأمر سوف يعفى من أية عقوبة أو مساءلة مسلكية (عدم تنفيذ أمر القائد العام يعتبر في حالة الحرب جناية يعاقب مرتكبها بالحبس سبع سنوات كحدِّ أدنى) أمّا في حال إصراركم على غيّكم فأنا كلفت نوّابكم في التشكيلات والوحدات أن يعتقلوكم ويرسلوكم مباشرة إلى السجن المركزي، وفي حال المقاومة والعصيان العسكري فإنّ لدى نوابكم الأمر مني شخصياً بإطلاق النار عليكم وأنتم تعرفون أنّنا لن نحاسبهم على النتائج مهما كانت لأنهم ينفذون الأوامر والتعليمات وأنتم الخارجون على القانون.

أما فيما يتعلق بأمور الاستلام والتسليم فاعتبروا.. أن لديكم براءة ذمة مصدّقة من وزير الدفاع وسوف تصلكم بالبريد، أما بالنسبة لحاجاتكم الشخصية فيمكنكم أن ترسلوا السائق لجلبها من مكاتبكم وحذار من الالتفاف على الأوامر وإذا مكرتم فإنّ مكرنا أشد وإذا تطاولتم على القائد العام فإنّ يدي ستطول هذه المرة رقابكم.
وضربت بقبضتي على الطاولة (وكانت الغاية من ذلك إدخال الرهبة في نفوسهم) وكان صوتي المرتفع والجدي يدل على مدى الحسمية وعدم التساهل أبداً في الموضوع.. فأذعن الجميع للتعليمات وأدوا التحية العسكرية وتوجهوا
إلى أماكن وظائفهم الجديدة ولم يحاول أي منهم المناورة كما لم يعد أي منهم إلى الاتصال بالعميد رفعت أبداً.. وأعلمت الرئيس الأسد بنجاح المهمة وكان مرتاحاً للغاية
- إذاً السيد الرئيس (و القائد الأعلى للجيش و القوات المسلحة) يشكك باستجابة ضباطه لأوامره، و العماد طلاس يجزم بقدرته على تنفيذ أمر النقل.

القصة هنا مثيرة، فلسان حال طلاس هنا يقول: لولا لجوئي للشدة و الحزم لما وجد أمر الرئيس طريقه للنفاذ!! أضحكتنا يا سيادة العماد، و صدق من قال أنك ترمي الكلام قبل أن تزنه بعقلك.
ثم يسأل الضباط إذا كان قد رفض لهم طلباً في السابق. أليس غريباً عزيزي القارئ أن طلاس قام بتنفيذ كل طلبات الضباط التابعين للعميد رفعت مع أنه لم يحب العميد رفعت في حياته؟ بلا شك هو أمر غريب، و لكنه في الوقت نفسه يعطي السادة القراء فكرة واضحة عن شخص العماد طلاس. فهو لم يكن ليجرؤ على رفض طلب أي من ضباط العميد رفعت، فاستجاب لجميع طلباتهم، الخاصة منها و العامة، ليتجلى لنا بوضوح ضعف شخصيته و قلة حيلته. و انظروا كيف يقص علينا أنه رفع صوته، و ضرب بيده على الطاولة و كأننا نستمع لملازم حديث التخرج.

و لكن مهلاً: ألم يضحك هؤلاء الضباط عندما قلت لهم أنك وافقت على كل طلباتهم؟؟؟

لمن لا يعرف العماد طلاس أقول أنه كان مشهور في سوريا بلقب (أبو موافق) لأنه كان يُوافق على أي طلب يُقدم إليه. و لكن سرعان ما ينتاب صاحب الطلب الحسرة و الندم على الوقت و المال الذي أضاعه للحصول على موافقة وزير الدفاع!! و السبب ببساطة هو أن هذه الموافقة لم تجد آذان صاغية في أي من دوائر الدولة حتى وزارة الدفاع نفسها!!

و كثيراً ما كان السوريون يتندرون على بعضهم البعض إذا ما حصل أحد الأقارب أو الأصدقاء على موافقة (توقيع) العماد طلاس على طلب ما. فهذا الذي يضحك عليه و ذاك الذي يقول له "عوضك على الله" و أما صاحب الخبرة فكان يقول "إن توقيع مساعد أول بالمخابرات سينفعك أكثر".

أما أكثر الطلبات التي كانت تُقدم لوزير الدفاع فهي تلك المتعلقة برخص السلاح بالإضافة إلى طلبات الموافقة على دخول الأراضي اللبنانية. و سأذكر هنا بعض القصص التي ستساعد القارى على التعرف على حقيقة طلاس حيث قامت إحدت دوريات المخابرات العسكرية عام 1982 بضبط مسدس من عيار 7 مم مع واحد من شباب سوريا حيث كان يمشي و بكل ثقة مزهواً بسلاحه المعلق على جنبه. و عندما قال لهم أن السلاح مرخص من قبل وزير الدفاع قالوا له حرفياً "يلعن أبوك على أبو وزير الدفاع يا أبن الكلب"!!!  و تم أصطحابه إلى الفرع الأمني حيث نال فلقة محترمة و تمت مصادرة سلاحه أصولاً. فخرج من الفرع الأمني بعدها ليلعن طلاس و الساعة التي سعى فيها للحصول على موافقة طلاس. أما مصيبته الكبرى فكانت ثمن السلاح مضافاً إليه الـ 15000 ليرة التي دفعها رشوة للحصول على الموافقة.

أما موافقات السفر (بالسيارات الخاصة) إلى لبنان فحدث و لا حرج. فبعد أن تحصل على الموافقة و تجهز سيارتك و نفسك للسفر و تودع الأقارب و الأصدقاء و تقطع مسافة 50 كم إلى الحدود، يُفاجئك عناصر الأمن بأنه عليك العودة لمنزلك. و ما أن تُشهر لهم موافقة وزير الدفاع حتى يقولوا لك " بلها و أشرب ميتها ". فتعود طبعاً و أنت تلعن البذور التي جاء منها وزير الدفاع لأنه أضاع وقتك و مالك و جهدك.

نعود للقصة... لا أعرف لماذا شعرت الآن فجأة أني أضيع وقتي بكلام أقلّه أنه لا يستحق القراءة، إلا أني مازلت مصراً أن أكمل حتى النهاية..

فكيف يسمح العميد رفعت لضباطه بمراجعة وزير الدفاع و هو يعلم أن وزير الدفاع قد قام بتهريب صواريخ لنشرها ضد سرايا الدفاع؟

إذا كان كلام العماد طلاس هنا صحيح، فإننا أمام احتمالين لا ثالث لهما:

الأول: العميد رفعت مازال إلى هذه اللحظة بعيداً عن المؤامرة التي تحاك ضده بدليل أنه سمح لضباطه الـ 14بمراجعة مكتب وزير الدفاع

و على هذا تكون قصة الرائد يوسف العلي وهمية و لا علم للعميد رفعت بعملية تهريب الصواريخ. 

الثاني: هؤلاء الضباط ليسوا من المحسوبين على العميد رفعت. و إلا لما كان سمح لهم بمقابلة وزير الدفاع

و على هذا يكون وزير دفاع قد خدع الرئيس بقصص و محسوبيات وهمية ليزرع الفتنة بين العميد رفعت و الرئيس حافظ الأسد. 
أما إذا أردنا أن نقيس المفاخر بمقياسك يا مصطفى طلاس فإنه لسرايا الدفاع السبق عليك و على غيرك حتى في تشكيل الحرس الجمهوري...

عزيزي القارئ، لقد استبدل الرئيس حافظ الأسد  العديد من عناصر طاقم حراسته في تلك الفترة في محاولة منه لإيجاد حراسة بنفس كفاءة و جاهزية عناصر سرايا الدفاع الذين كانوا يحرسوا القصر الجمهوري.

و لما باءت محاولاته بالفشل أستعان الرئيس بالعميد عدنان مخلوف أحد خريجي مدرسة سرايا الدفاع وواحد من أشد تلاميذ العميد رفعت إخلاصاً وولاءً، ليتم تعيينه قائداً للحرس الجمهوري!!

فهل أفلس الجيش و لم يعد يوجد فيه غير عناصر سرايا الدفاع، أم أنه اعتراف آخر بكفاءة و تميز عناصر هذه الوحدة المقاتلة عن نظرائهم في وحدات الجيش الأخرى. 
سيادة القائد العميد رفعت الأسد و يرافقه العميد عدنان مخلوف
و هاهو قائد الحرس الجديد مع تلميذ آخر من تلاميذ العميد رفعت الأكفاء و الأوفياء و هو المرحوم باسل الأسد أثناء حضورهما لواحد من مشاريع الحرس الجمهوري التدريبية.

و مع أن أغلب العناصر التي تشارك في هذا العرض هم من عناصر سرايا الدفاع (و لم يتغيرفي هيئتهم سوى لون القبعة) فإننا سنلاحظ انخفاض مستوى الأداء في هذا العرض إذا ما قورن بعروض سرايا الدفاع السابقة، و سنعرف سبب هذا الإنخفاض لاحقاً عندما نتعرف على المعنى الحقيقي لقيادة العميد رفعت الأسد و على الحوافز التي كانت تًقدم للجنود في عهد سيادته. 
إذاً لم يتغير شيئ إلا الإسم. كان سرايا الدفاع و أصبح الحرس الجمهوري، فما هو سر الإنقلاب على قائد سرايا الدفاع؟

هذا ما سنعرفه قريباً.