أفاميا

لقد قلنا أن النظام عمل على مطاردة و مصادرة السيارات التي كانت تعمل في خدمة منزل نائب رئيس الجمهورية القائد رفعت الأسد و قلنا ان سيادته أمر بشراء سيارات مدنية لخدمة المنزل وذلك ترفعاً عن السؤال، وحتى عن الإستفسار عن أسباب هذا العمل اللاأخلاقي.
و لكي نشرح الأمر: لقد جرت العادة في سوريا أن تقوم الدولة ، ممثلة بإدارة المركبات أو ما يشاكلها ، بتزويد الرئيس و نواب الرئيس و المسؤولين و كبار الضباط بالسيارات ، إن كانت سيارات شخصية أو تلك التي تعمل في خدمة المنازل. و يضاف لهذه الإمتيازات أن يحق لمكاتب الرئيس و مكاتب نواب الرئيس و قادة أجهزة الأمن و بعض قادة الجيش إصدار تراخيص لسير السيارات التي لا تعود ملكيتها للدولة ، إذ تقوم الجهة التي تمنح الترخيص بتزويد المستفيد بلوحة سيارة (رقم) و ذلك بالتنسيق مع إدارة المرور ، على أن يشتري المستفيد سيارة من ملكه الخاص ، إلا أن هذه اللوحة تعمل على إعفاءه من دفع الجمارك و الضرائب التي يدفعها عادة المواطن السوري حين يعمل على استيراد أو شراء سيارة. و تُسمى هذه اللوحات باللوحات الأمنية و لا يوجد مايميزها (شكلاً) عن مثيلاتها المدنية الصادرة عن إدارة المرور.
طبعاً ، و خلافاً لهذه العادة ، فإن المكتب و المنزل العائدين لنائب رئيس الجمهورية القائد رفعت الأسد لم يتسلما أي سيارة من الدولة.
بل إن السيارات التي كانت تعمل في منزل سيادته كانت تعود لفرع أمن سرايا الدفاع و هي سيارات قديمة و كانت تتعطل باستمرار. و هذه كانت من أكبر المفارقات التي تواجه العاملين في منزل سيادة القائد "قائدنا يوزع ملايين الليرات على الشعب و السيارات التي تخدم منزله مهترئة!!"
بطبيعة الحال كان مكتب نائب رئيس الجمهورية القائد رفعت الأسد قد قام في أوقات سابقة بتوزيع عدد من اللوحات (الأرقام) على عدد من الضباط و الموظفين الذين يعملون في مكتب سيادة القائد و على عدد غفير من المواطنين منهم أستاذة بالجامعة و أطباء و محامين و ضباط سابقين في الجيش العربي السوري ، و هذه اللوحات مزودة بتراخيص و أوراق رسمية صادرة عن مكتب نائب رئيس الجمهورية. و هذا المكتب هو الذي كان قد أصدر تراخيص سيارات الخدمة التي تعمل في منزل السيد نائب الرئيس.
كيف كان النظام السوري يُصادر هذه السيارات؟
تقوم دوريات مؤلفة من شرطة المرور و الشرطة العسكرية و المخابرات العسكرية بنصب كمين على إحدى الطرق المؤدية لمنزل نائب الرئيس
و يكونوا على إتصال لاسلكي بمرشد مموه (عامل قمامة على الأغلب) بالقرب من منزل نائب الرئيس يراقب تحرك السيارات و ما أن تخرج واحدة من سيارات المنزل حتى يقوم بإبلاغ الدورية عن لونها و رقمها. فتقوم الدورية بتوقيف السيارة و مصادرتها بعد طرد السائق منها بحجة أنها غير مرخصة.
بالإضافة لذلك كانت هناك كمائن متفرقة في منطقة المزة و أبو رمانة و المهاجرين و غيرها لضبط السيارات التي تعود لمكتب سيادة القائد.
و قد عانى أصحاب هذه السيارات الأمرًّين ، ناهيك عن الإرهاق الذهني و النفسي الذي يُحيل صاحبه للتساؤل هل نحن في دولة أم في زريبة؟
تقوم الدورية بطلب أوراق السيارة من هذا الطبيب أو ذاك المحامي فيُقدم صاحب السيارة الأوراق الرسمية التي تُثبت صلاحية قيودها و صحة أوراقها ، فيطلبوا منه الترجل من السيارة لأن أوراقها غير قانونية. فيقول صاحب السيارة إن أوراق سيارتي مصدًّقة من مكتب نائب رئيس الجمهورية و هو ثاني أعلى سلطة بالبلد ، هلا أبرزتم لي القرار الذي يُلغي مفعول هذه الأوراق؟ يقولون له لا يوجد قرار و لكن هذه هي الأوامر.
إذا سَلّم صاحب السيارة بمقولة أننا نعيش في زريبة فإنه يترك السيارة لهم و يمشي بأمان الله. أما إذا أصر على أن هذا العمل غير قانوني و البلد يحكمها القانون فإنه يدفع ثمن ذوده عن القانون مباشرة (كاش) فيأكل ضربأ مبرحاً قبل أن يتم اعتقاله و ترحيله إلى أقبية التحقيق.
و من هي هذه الجهات العليا..لا أحد يعلم!! و لكن الذي كان يعلمه الجميع هو أن هذه الأوامر لا يمكن أن تصدر عن شخص يتحلى بعقل سليم!!
الحقيقة هي أن العديد من الضباط و القادة كانوا يقعون بالحيرة عندما تأتي أوامر كهذه من الجهات العليا .. فالأوامر ليست فقط غير قانونية بل أيضاً غير منطقية و لا يمكن للعقل أن يتعامل معها..."كيف تريدني أن أصادر سيارة هي أصلاً لنائب رئيس الجمهورية!!"
و في تصعيد لايخلو من الصبيانية فوجئ العاملون بمنزل سيادة القائد باتصال لاسلكي من أحد السائقين يقول فيه أنه محاصر من قبل عدة دوريات و هم يريدون مصادرة السيارة (لقد كان السائق يقوم بإجراء صيانة لواحدة من سيارات سيادة القائد الخاصة بمركز صيانة مرسيدس).
ماهذا الجنون؟؟ هل وصلت الجرأة أن تتعرضوا لسيارات نائب الرئيس الخاصة؟؟!!
في الحال خرجت قوة من مقر نائب الرئيس و تعاملت مع الدوريات المتواجدة و أعادت السيارة إلى المقر. و نسجل هنا أيضاً الإرتباك و الحيرة التي كان عليها الضباط المرافقون لهذه الدوريات. فقد كانوا يعتذرون بشدة و قد قال كبيرهم "لقد طلبت من سائق الرافعة (التي يُفترض أن تقطر السيارة بعد مصادرتها) أن يتأخر و أعطيت الوقت الكافي للسائق كي يتصل بكم ، و انتظرناكم حتى تصلوا إلى هنا كي نقول أن القوة التي أتت من مكتب السيد نائب الرئيس هي أكبر من أن نستطيع التغلب عليها و ما ذلك إلا حباً بسيادة القائد و احتراماً له أدامه الله".
فلماذا حاصروا السيارة إذاً؟ الجواب أيضاً قاله كبيرهم و كان برتبة عقيد إذ قال أن الدوريات مؤلفة من عدة أجهزة و لا يمكننا الوثوق أن تقوم إحدى هذه الجهات بالوشاية علينا و لذلك كان لابد من محاصرة السيارة تطبيقاً لأوامر الجهات العليا.
الجهات العليا علمت بأن الضباط يحاولون التنصل من تنفيذ هذه الأوامر القرقوشية ، فبدأت بالبحث عن ضباط و عناصر بلا أخلاق من أجل تنفيذ هذه الأوامر ... و لكن هيهات..!! فبعد الآن لن تخرج سيارة خارج مقر سيادة القائد بدون قوة حراسة مدججة بالسلاح و العناصر الإنتحارية.
و سبب الحراسة أيها الأخوة هو أننا نعيش في دولة ، و الدولة تعني قانون ، و القانون يعني أن المؤسسات التي تؤلف هذه الدولة تتفاهم مع بعضها بالأوراق الرسمية و ليس بالعصابات المسلحة!!
فإذا أرادت جهات عليا بالدولة مصادرة سيارات نائب الرئيس عليها أولاً توجيه كتاب رسمي (رسالة رسمية) لمكتب نائب رئيس الجمهورية تطلب فيه ارسال السيارات إلى المكان الذي تحدده. و إذا لم يقم مكتب نائب رئيس الجمهورية بتنفيذ الأمر يمكن عندئذ لهذه الجهات العليا أن تلجأ إلى القانون الذي تم تفصيله للتعامل مع حالة كهذه.
أما غير ذلك فإن مكتب نائب رئيس الجمهورية يعتبر هذه الدوريات مجرد عصابات مسلحة خارجة عن القانون و يتم التعامل معها على هذا الأساس. فالبلد فيها قانون و ليست دمية بيد هذا الحدث أو ذاك ليحركها كيفما يشاء!!
و بعد هذا الإجراء لم تتجرأ أي دورية على إيقاف أي سيارة ترافقها الحراسة ، و السبب في ذلك هو أن هذه الجهات العليا أدركت أن الأمر لن يمر بدون قتلى و جرحى. و لأن هذه الجهات العليا هي دون الرئيس حافظ الأسد فإنها لا تستطع تحمل تبعات هذا التصعيد أمام الرئيس رحمه الله ، و هكذا أصدرت هذه الجهات العليا الأمر بعدم الإقتراب من أي سيارة ترافقها قوة مسلحة.
من المعروف أن الرئيس حافظ الأسد قد مر بفترة حزن شديد بعد وفاة المرحوم باسل و قد كان يعتكف كثيراً بالجلوس وحيداً بعيداً عن دوشة حكم البلاد ، و يبدوا أن البعض قد وجدها فرصة لممارسة التسلط على أجهزة الدولة ( لا نقول أولاد السيد الرئيس و لا نضع هذا على عاتقنا ) ربما يكون أحد المقربين أو المتنفذين في القصر الجمهوري.
و بعد أسابيع قليلة فوجئ المواطنون بإعلان الدولة عن نيتها تغير لوحات (أرقام) جميع السيارات في القطر العربي السوري و ذلك بحجة أنه يوجد سيارات مخالفة و تسير بلوحات أمنية غير مرخصة و تعمل بالتهريب!! و أعطت الدولة مهلة عام لاستبدال لوحات جميع السيارات. و بالفعل بدأ المواطنون و مثلهم كافة دوائر و مؤسسات الدولة الحكومية و المدنية بإجراء عملية التبديل هذه و تم تزويد كل سيارات القطر بلوحات جديدة ماعدا طبعاً سيارات منزل نائب رئيس الجمهورية الدكتور رفعت الأسد. و عمل مدير مكتب السيد نائب الرئيس على مراسلة الجهات المختصة لإرسال لوحات سيارات جديدة لسيارات السيد نائب الرئيس و خاصة السيارات الخاصة التي يقودها سيادته بنفسه. تعددت الأجوبة و النتيجة واحدة .. لا لوحات... مرة يقولون سنرسل اللوحات خلال أسبوع.. و مرة يقولون أن اللوحات نفذت و بانتظار طباعة لوحات جديدة.. و مرة يقولون أن مدير الإدارة غير موجود ...الخ من هذه الحجج التي لا تنتهي.
فهل من المعقول أن الدولة استطاعت توفير لوحات لملايين السيارات و لجميع المواطنين و عجزت عن توفير لوحات لسيارات نائب الرئيس الذي حبى النظام على يديه و حمى البلاد و العباد بساعديه!!
أما المهربون الذين من المفترض أن تطفوا سياراتهم إلى السطح جراء استبدال اللوحات في القطر و يسهل العثور عليها، فقد استبدلوا لوحاتهم بلوحات جديدة حتى قبل أن تبدأ الدولة بتوزيعها!! ... لا تسلنا كيف و لماذا .. هذا هو الذي حصل و هذا الأمر يعلمه كل السوريون. و المصيبة أن اللوحات الجديدة ذات شكل مؤذي للنظر و صعبة القراءة بينما اللوحات القديمة كانت أجمل و قرائتها أسهل.
إذاً أيها الأخوة تم أرباك ملايين المواطنين و صرف الشعب ملايين الليرات كرسوم و خلافه من أجل تغيير لوحات سياراتهم و كل هذا من أجل أن تتكحل عينا أحد المزاجيين برؤية سيارات سيادة القائد تسير بلوحات مخالفة للقانون ، و لكي لا يتجرأ بعدها اي ضابط شرطة أن يقول أنه لا يستطيع اعتراض سيارة تحمل ختم مكتب نائب رئيس الجمهورية.
و إننا هنا نود توجيه الشكر لضباط المرور و إلى العديد من ضباط المخابرات العسكرية الذين تحلوا بالوطنية و الوعي إلى أقصى الحدود إذ كانوا يعملون على تجاهل هذه الأوامر اللامسؤولة و على رميها خلف ظهورهم قدر الإمكان.
و باختصار ... بقي الحال على ماهو عليه و استمرت المشاكل إلى أن أتت مشاكل أكبر منها لتطغى عليها.
و ذَكّر إن نفعت الذكرى..
و هذا ماحدث مع واحدة من أفضل فارسات سوريا و هي الفارسة زبيدة مقابل و قد كانت موظفة في مكتب نائب رئيس الجمهورية. هذه الفارسة الشجاعة اصرت على أن البلد يحكمها القانون و رفضت تسليم سيارتها ، فهجم عليها رجال إحدى الدوريات و انهالوا عليها ضرباً و رموا بها في السجن عدة شهور.
و لكن للحق نقول أن الكثيرين من رجال هذه الدوريات كانوا يعتذرون بشدة إذا كان يوجد في السيارة أحد أفراد عائلة سيادة القائد أو إذا كان فيها أحد الضباط الذين كانوا يعملون في مكتب سيادته كأن يقولوا اعتذاراً عن إعتراض السيارة "نرجوكم أن لا تؤاخذونا فنحن نقوم بتفيذ الأوامر مع أننا مقتنعين بأنها أوامر غير صائبة، تفضلوا يمكنكم متابع المسير".
الذي حصل بعد وفاة المرحوم باسل الأسد هو أن هذه الدوريات بدأت تستهدف سيارات الضباط العاملين في مكتب سيادة القائد و طال هذا الإستهداف سيارة مدير المكتب شخصياً إذ خرج من منزله صباحاً ليكتشف أن السيارة غير موجودة. فذهب إلى عمله سيراً على الأقدام ، و قام بالإتصال ببعض الجهات الأمنية للإستفسار عن مكان وجود السيارة. و لأنه من أبطال حرب تشرين و ضابط له وزنه و معارفه بالدولة فقد أعتذر منه أحد مدراء أجهزة الأمن و قال له بأن السيارة موجودة لديه و أنه آسف أشد الأسف على هذا التصرف و قال "ماباليد حيلة ، فأنا أنفذ أوامر جهات عليا و إذا أردت سأرسل لك سيارتي لتبقى تحت تصرفك"... فقال له لا..شكراً ، لست بحاجة لسيارة أحد.
يُذكر أن هذه الصورة بقيت لأشهر تتصدر غلاف مجلة الشعب العربي التي كان يشرف على إصدارها الدكتور سومر الأسد.