أفاميا
 
قطع التيار الكهربائي

بعد مصادرة هوائيات أجهزة الهاتف بعدة أسابيع قام جهاز المخابرات العسكرية بالإيعاز لمؤسسة كهرباء اللاذقية بقطع التيار الكهربائي عن الشاليه ، ليس هذا فقط ، بل عمدت المؤسسة بتوجيهات من المخابرات إلى قطع التيار الكهربائي عن إعمدة إنارة الشارع المؤدي للشاليه و أعمدة إنارة الشارع المؤدي للمدينة الرياضية و أضحت المنطقة ليلاً كمدينة أشباح.

أعتقدت إدارة الشالية أن الأمر لا يعدو عن كونه عطلاً طارئاً ، إذ أن انقطاع التيار الكهربائي في اللاذقية عدة مرات أسبوعياً هو أمر قد اعتاد عليه المواطنون منذ سنوات طوال ، و خاصة في الأوقات الحرجة كحفلات الزفاف و الأعياد و قبل نهاية المسلسل التلفزيوني اليومي بخمس دقائق.

و عندما قامت إدارة الشاليه بسؤال مؤسسة الكهرباء عن أسباب العطل كان الجواب أنه يوجد فواتير كهرباء قديمة للمؤسسة لم يتم تحصيلها.  و لدى سؤال مدير مؤسسة الهاتف عن سبب عدم قيامه بتوجيه رسالة إنذار قبل قطع التيار الكهربائي ارتبط لسانه و لم يعرف بما يجيب.
فعمدت الإدارة على إبراز كافة الوثائق التي تؤكد أنه قد تم دفع كافة مستحقات مؤسسة الكهرباء القديمة منها و الجديدة. و عندئذ اعتذر موظفوا المؤسسة عن هذا الخطأ و تعهدوا بإعادة التيار الكهربائي خلال ساعات.

ساعات و ساعات من الإنتظار و التيار الكهربائي مازال مقطوعاً. و في هذه الأثناء قام مدير شاليه أفاميا يالإتصال عشرات المرات مع مؤسسة الكهرباء و لكن.. لا أحد يجيب الهاتف !  في صباح اليوم الثاني ذهب مدير الشاليه لمقابلة مدير مؤسسة الكهرباء و في المؤسسة قالوا له أن المدير غير موجود و لكنه ترك لكم رسالة شفهية و هي:"عند محاولة ايصال الكهرباء إلى الشاليه حدث عطل كبير في المولدة التي تغذي الشاليه و هي بحاجة إلى استبدال إحدى القطع كي تعمل من جديد و هذه القطعة غير متوفر في اللاذقية و عليكم الانتظار لحين تأمينها من دمشق او حلب". فقال لهم مدير الشاليه حسناً أعطوني أسم القطعة المعطوبة و سنعمل على شرائها على حسابنا الخاص
(1)

(1) كان مدير الشاليه يعلم أنه لو أرسل شخصاً لشراء هذه القطعة من دمشق فإن القطعة ستصل إلى اللاذقية قبل أن تقوم المؤسسة بتحرير كتاب الشراء حتى لو ذهب هذا الشخص و عاد سيراً على الأقدام.

و عندما لم تقوم المؤسسة بتحديد إسم القطعة المطلوبة لإصلاح العطل تأكدت إدارة أفاميا من أن قطع الكهرباء هو حلقة من سلسلة المضايقات التي يقوم بها النظام السوري لمحاصرة هذه الشاليه و العاملين فيها. و تابع العاملون في الشاليه أعمالهم على مولدة الكهرباء الإحتياطية الموجودة بالشاليه و هكذا تم التعايش مع مشكلة الكهرباء!!
إصرار النظام على التصعيد
↓ ↓ ↓ ↓ ↓
قطع المياه

كان يقيم بشاليه أفاميا عدة عائلات و كان بينهم أمهات حوامل و أطفالاً رضًّع بالإضافة إلى العاملات و العمال و عناصر الحراسة. و هؤلاء هم بشر ، لا بد لهم من شرب المياه كي يستمروا بالحياة. إلا أنه لمن لم يذق طعم العطش في حياته رأي آخر...!
     

فبعد قطع الكهرباء بأسابيع و في ساعة مبكرة من الصباح قامت دورية من عناصر المخابرات العسكرية و برفقتهم عدد من عمال مؤسسة المياه بحفر الطريق المؤدي إلى الشاليه  والبحث عن الانبوب الرئيسي الذي يعمل على تغذية شاليه أفاميا بمياه الشرب ، و قام عناصر المخابرات بإجبار عمال مؤسسة المياه على قص الانبوب عرضياً ووضع سدادة معدنية عليه. و بعد الانتهاء من هذا العمل "البطولي" تم ردم الحفرة و تمويهها كي لا يتم التعرف على مكانها لاحقاً.

أعتقد العاملون في الشاليه أن قطع المياه هو عطل طارئ ، فقاموا بشراء عدداً من زجاجات المياه المعدنية و تابعوا أعمالهم طوال اليوم بشكل طبيعي ، و ناموا ليلتهم على أمل أن تعود المياه مع صباح اليوم التالي.

طبعاً أتى الصباح و لم تأتي المياه ، و عندما علم العاملون أن المياه لم تنقطع عن الشاليهات المجاورة أدرك الجميع أن المياه لن تأتي.
منذ سبعينات القرن الماضي كان سيادة القائد رفعت الأسد قد أمر بتخصيص عدة شاحنات (صهاريج مياه) لنقل المياه إلى القرى الساحليه التي لا تصلها مياه الشرب.

و بالرغم من مرور 30 عاماً آنذاك على ما سُمي بالحركة التصحيحية إلا أنه كانت ماتزال بعض القرى من دون مياه ، و كانت هذه الشاحنات مازالت تعمل على نقل المياه إليها.

☆ ☆  ☆ ☆
☆ ☆  ☆ ☆
بعد إنقطاع المياه عن شاليه أفاميا كان لابد من الأستعانة بواحدة من هذه الشاحنات كي تقوم بنقل المياه إليها ، و لكن هذا لايشكل حلاً للمشكلة ، فليس من المعقول أن يشرب العاملون في شاليه أفاميا المياه و تبقى عدة قرى محرومة منها. و كان هذا الأمر سيشكل مشكلة حقيقة لولا أن دفع الله أحد عباده الصالحين ، و هو عامل في مؤسسة المياه ، لأن يتحدى المخاطر و يعرض نفسه و عائلته للتشرد و يأتي إلى شاليه أفاميا ليقول:
" أنا و رفاقي في مؤسسة المياه لم نستطع النوم منذ يومين .. و كيف ننام و نحن نرى ما لا يرضي الله سبحانه و تعالى ، فوالله لا يرضى المرء بقطع المياه عن عدوه فكيف يأمروننا بقطع المياه عن منزل سيادة القائد صاحب الأفضال العظيمة على الوطن و على الشعب ... هلموا معي فأنا سأدلكم على المكان الذي تم قطع المياه منه و قد أتيت لكم بكل المعدات اللازمة لوصل الأنبوب المقطوع و إعاة المياه إلى الشاليه." 

لهذا الرجل نقول: إن كل من اختبر النظام السوري يعلم حجم المخاطر التي عرضت نفسك إليها ، فبوركت أيها الشجاع النبيل و الشهم الأصيل ، و نشكر الله سبحانه و تعالى أنه لم يقرن المروءة بالمراتب ، و لا المودة بالقرابة ، و لا كرم الأخلاق بالمناصب!!    

و قد أتى تضامن موظفوا و عمال مؤسسة المياه ليعكس التوجه الشعبي العام المؤيد لسيادة القائد رفعت الأسد و الرافض لأساليب النظام الهمجية ، و المناهض لإصرار النظام على إبعاد سيادة القائد عن أرضه و شعبه.
قطع خطوط الهاتف الأرضي

و أيضاً بعد قطع المياه و الكهرباء أتى دور الخطوط الهاتفية فقام النظام بقطعها عن الشاليه و بالتالي عزل إدارتها و العاملين فيها عن العالم الخارجي ولم يبقى في الشاليه سوى جهاز "الثريا" اللاسلكي. إلا أن هذا الأمر لم يأتي بأي نتيجة تذكر لأن التفاف أبناء الشعب حول سيادة القائد كان أقوى مما يتصوره أزلام النظام. و هكذا كانت الاخبار تاتي من خلال انصار القائد و من عدة جهات ، وقد كان هؤلاء المخلصين يرسلون اولادهم ، رغم المخاطر ، لإيصال الاخبار من وإلى الشاليه.

و بقي الناس رغم هذه المضايقات يقومون باعمالهم بشكل طبيعي و لم يتغيب أي منهم عن عمله ، و كان الآلاف من المواطنين مازالوا يتوافدون الى الشاليه للحصول على عطاء سيادة القائد لهم و لأطفالهم وعيونهم تغمرها الدموع من المجهول القادم و هم يرون سيارات المخابرات تحيط بالشاليه.

و رغم كل هذا أيضاً كان سيادة القائد مصراً على عدم قطع مساعداته لأبناء الوطن و كانت أوامر سيادته تقضي باستقبال جميع الوافدين الجدد و تخصيص مبالغ شهرية لهم. الوافدون كانوا ياتون من جميع المحافظات و من جميع الطوائف ، ضباط و جنود مسرحين من جميع الوحدات العسكرية ، و موظفين و مدرسين و عمال ومزارعين و كانوا يطالبون المسؤول عن الشاليه إيصال صوتهم لسيادة القائد. و كان بعض الضباط المسرحون  يشرحون معاناتهم و كيف انهم بعد خدمتهم لوطنهم لاكثر من عشرين عامأً لا يستطيعون تامين لقمة العيش لعائلاتهم و أنهم أتو وكلهم امل ان يحصلوا على مساعدة من سيادة القائد.

و استمر الوضع هكذا لشهور قليلة حتى صدور الأمر بإعادة العسكريين إلى الفوج 555 و بدء مرحلة التحضير للهجوم العسكري على الشاليه..
↓ ↓ ↓ ↓ ↓
في منتصف عام 1999 تلقى الضباط و الجنود المكلفين بحراسة منزل سيادة القائد في دمشق و في اللاذقية أمراً من قيادة الفوج 555 بعودتهم جميعاً مع عتادهم العسكري إلى معسكر الفوج. 

تم إعلام سيادة القائد بهذا الأمر ، فأمر سيادته بنتفيذ الأمر مباشرة. فعاد جميع العسكريين إلى الفوج و لم يبقى في شاليه أفاميا سوى الحراسات المدنية و الكثير من هؤلاء هم من العسكريين المسرحين.

بعد مغادرة جميع العسكريين أتى العميد سليمان العبدالله رئيس فرع المخابرات العسكرية في اللاذقية إلى شاليه أفاميا و طلب من إدارتها طرد جميع العمال و المزارعين و الحراس المدنيين الذين يعملون في المنزل و الإبقاء على خمسة أشخاص فقط و هم المدير و معاونه بالإضافة إلى ضابط مسرح لقيادة الحراسة المدنية مع حارسين.

أجاب مدير المنزل (وهو شخص مدني) بأنه سيقوم بنقل هذا الطلب إلى أصحاب الأمر في هذا الشأن.

إلا أن العميد سليمان أتصل بعد ساعة بمدير المنزل و جرى بينهما الحوار التالي:

العميد سليمان: هلا تفضلت لاحتساء القهوة في مكتبي؟ إني أريد التحدث إليك قليلاً.

مدير المنزل: أنا لن أبارح مكان عملي و إذا كان لديك ماتقوله فيمكنك قوله على الهاتف ، و إلا فتفضل أنت إلى هنا.

العميد سليمان: أنا آتٍ ، أنتظرني تحت جسر المدينة الرياضية المقابل للشاليه.

مدير المنزل: لا ، لن أذهب إلى أي مكان .. يمكنك القدوم إلى مكتبي.

العميد سليمان: حسناً ، أنا أتٍ إليك.

وصل العميد سليمان إلى مدخل شاليه أفاميا و برفقته ثلاث سيارات مملوءة بالعناصر المسلحة. فطلب منه مدير المنزل الدخول إلى المكتب إلا أنه رفض و فضل أن "يتمشى" مع مدير المنزل على الطريق المقابل للمدخل. 

العميد سليمان: لدي أمر من جهات عليا بإخلاء جميع العاملين بالشاليه بما فيهم أنت ، و عليك تسليمنا الشاليه و مغادرتها فوراً.

مدير المنزل: من هو الذي سيستلم الشاليه؟

العميد سليمان: نحن
(1).

(1) طبعاً أن يأتي لمنزلك ضابط في المخابرات العسكرية و يطلب منك الخروج من منزلك ، و تسليمه له ، هو أمر لا يمكن أن يحدث في أي دولة على وجه الأرض إلا في سوريا.

مدير المنزل: هذه الشاليه و محتوياتها هي أمانة بأعناقنا و لا نستطيع تسليمها إلا إذا أمر أصحابها بذلك ، فانتظر حتى أقوم بإبلاغهم رغبتك.

قام مدير المنزل بنقل ما قاله العميد سليمان إلى أصحاب المنزل و تلقى بدوره منهم الأمر التالي: "لا تجبر أحداً على البقاء في المنزل و لاتطرد أي عامل منه ، و قل لهذا الضابط أن يقول لمن أرسله أن هذا المنزل هو منزل خاص و ليس دائرة حكومية. أما إذا كان يوجد أمر خطي من الرئيس بتسليم المنزل ، أو إذا أتى أحد أولاده و طلب المنزل فسلموه المفاتيح لأننا عائلة واحدة و لا فرق بيننا. و خلاف ذلك فعلى الذي يريد المنزل اللجوء للقضاء".  

عاد مدير الشاليه و قال للعميد سليمان:
اذا كان معك امر من السيد الرئيس فسوف ننفذه و نقوم بتسليم المنزل فوراً ، و اذا جاء احد ابناءه وطلب المنزل فعلى الرحب والسعة سوف نسلمه المنزل. أما اذا كان لا يوجد امر من السيد الرئيس فعليكم اللجوء للقضاء و استصدار حكم قضائي صريح يطلب منا تسليم المنزل لجهة قضائية رسميه ، و ذلك بعد ان يكون الامر القضائي قد أخذ الدرجة القطعية ، حينها سوف نقوم بتسليم المنزل بعد جرد جميع محتوياته اصولا ، و حينها نكون نحن قد سلمنا هذه الامانة من دون اي مسئولية تقع على عاتقنا لا ماديه ولا معنوية. أما أنتم (المخابرات العسكرية) فإنكم لا تمثلون السيد الرئيس و لا القضاء ، و هكذا فليس لديكم أي حق باستلام المنزل.

العميد سليمان: نحن نمثل القانون والنظام و يجب عليك تنفيذ التعليمات والأوامر الصادرة بتسليم الشاليه.

مدير المنزل: أنتم لا يوجد معكم أمر خطي من السيد الرئيس وليس معكم حكم قضائي و ليس معكم أية مستندات أو أوراق تقضي بتسليم المنزل ، و انتم لا تمثلون القضاء و غير مخولين باستلام أملاك الناس الخاصة ، فكيف نسلمكم المنزل؟

العميد سليمان: حسناً ، باعتبارك مدير للمنزل أطلب من العمال و المزارعين و الحراس أن يرحلوا وسوف تحل المشكلة من دون اي مسؤلية عليك.

مدير المنزل: انا لم آتي بهؤلاء العمال و الحراس ولا يحق لي طردهم .. و كيف تطلب مني أن أقطع رزقهم و هم فقراء لايملكون في هذه الدنيا سوى عطاء سيادة القائد؟

العميد سليمان: أفعل ذلك و قل لأصحاب المنزل ان العاملين في الشاليه قد تركوا العمل من تلقاء أنفسهم ، بكلمة منك سوف ينتهي كل شيئ وسوف تبقى أنت المسؤول عن الشاليه ، وعلاقتك سوف تصبح معنا اعتبار من الآن فاسمع كلامي هذه فرصتك...!

مدير المنزل: لست أنا من يفعل هذا.

العميد سليمان: أسمع نصيحتي فليس امامك أفضل من هذه الفرصة لتبعد المسؤوليه عنك ، و أنا أعدك بأني سوف أقول للقيادة انك كنت متجاوباً معنا وأنك نفذت كل ما طلبناه منك ، و أعدك أيضاً ان كل أمورك الشخصية ستكون ممتازة .. هيا يا رجل كن مع الطرف الأقوى الآن ، و لا تعرض مستقبلك و مستقبل عائلتك للضياع..!!

مدير المنزل: لقد قلت لك كل مالدي.

العميد سليمان: سوف تندم وسوف اجعلك ترى الجحيم.

مدير المنزل: أفعل ما تستطيع فعله .. جحيمك أخف بكثير من جحيم الله سبحانه و تعالى ، نحن لن نخون الأمانة الملقاة على عاتقنا.

كان يوجد في شاليه أفاميا ضابط مسرح و كان يشرف مباشرة على حراسة الشاليه. فطلب العميد سليمان من هذا الضابط ان يطلب من العاملين مغادرة عملهم فقال له: أنا كنت ضابطاً في الجيش أما الآن فأنا رجل مدني و لا سلطة لك علي.

عندئذ غمز العميد سليمان للعناصر المرافقة له ، فاقتربت إحدى سياراتهم و ترجل منا ثلاثة عناصر مسلحة و حالوا زج مدير المنزل بها. و ماهي إلا ثوان حتى قام عناصر حراسة الشاليه بتطويق الجميع و أمروا العميد سليمان أن يأخذ عناصره و يرحل.

و أخذ العميد سليمان يرتعد خوفاً و يصرخ بمدير المنزل: ماهذا ... ماهذه المظاهر؟؟!! قل لهم أن يتراجعوا ...!!

فأجاب مدير المنزل: هذا منزل سيادة القائد رفعت الأسد و هؤلاء هم حراس عليه و هذا مظهر مألوف لدينا. أما المظهر الغير مألوف فهو وجودك أنت و عناصرك في هذا المكان. لقد استقبلناك في منزلنا استقبال الضيوف و أنت في منزلنا و إذا بك تريد اعتقالنا فأي أخلاق ٍ هذه؟؟
نحن قلنا لك أننا لن نسلم المنزل إلا بواحد من ثلاثة: أمر من السيد الرئيس ، أو إذ جاء أحد أبناءه ، أو بحكم قضائي. أما الآن فأنت مجرد ضابط مخابرات و لانعرف من هو الذي أرسلك إلينا ، و لهذا فليس لك أي سلطة علينا.

فانتفض العميد سليمان و قال: هذا كلام فاضي وسوف تندم على ما تفعله ... و الله سنذيقكم الجحيم.

مدير المنزل: إذا كنت ترى أن أمر الرئيس و الإحتكام للقضاء كلام فاضي فنحن لا نراه كذلك.

ذهب العميد سليمان ، و على الفور قام مدير المنزل بجمع كل العاملين و الحراس في الشاليه بما فيهم أولئك الذين شهدوا و سمعوا كلام العميد سليمان و ذكر لهم ما حدث بينه و بين العميد سليمان العبدالله و قال لهم ربما تمر علينا أوقات صعبة ، أنا سأبقى ، من يريد البقاء فليبقى و من يريد الرحيل فليرحل فأنتم أحرار. فرفض الجميع تهديدات العميد سليمان و أصروا على البقاء في منزل سيادة القائد.
↓ ↓ ↓ ↓ ↓
وصول الآنسة نتال رفعت الأسد

وصلت الآنسة نتال إلى سوريا قادمة من أسبانيا و توجهت فوراً إلى شاليه أفاميا للإطمئنان على العاملين فيها و زرع الطمأنينة في نفوسهم.
و في اليوم التالي أتصلت بمدير مكتب الرئيس حافظ الاسد / السيد أبو سليم دعبول / و طلبت منه إعلام السيد الرئيس بأنها تريد مقابلته.

بعد أيام ، و بتاريخ 19/10/1999 أتصل السيد أبو سليم دعبول بالآنسة نتال و طلب منها التوجه إلى دمشق من أجل مقابلة السيد الرئيس..

فطمأنت الآنسة نتال جميع العاملين بأنه لن يصيبهم أي سوء ، و أنه سيصار إلى متابعة رعاية شؤونهم و شؤون عائلاتهم ، و توجهت إلى منزل سيادة القائد في دمشق ، و فور وصولها قامت بإعلام السيد أبو سليم دعبول أنها جاهزة للمقابلة في أي لحظة يطلبها الرئيس فيها.
إذاً ، هكذا و بدون أية مستندات قانونية يريد رئيس فرع المخابرات العسكرية طرد الناس من بيوتهم. و نحن لم ننشر الحديث أعلاه إلا بعد أن تأكدنا من صحته من ثلاثة مصادر على الاقل.

و هكذا و بكل بساطة يطالب رئيس فرع المخابرات بطرد العمال و المزارعين لأن الطرف القوي يريد ذلك ، و أيضاً يطالب مدير المنزل بالكذب على أصحاب المكان و الإدعاء بأن العمال و المزارعون و الحراس قد غادروا من تلقاء أنفسهم..!

و بنفس الوقت يحدثنا رئيس فرع المخابرات العسكرية عن النظام و القانون ... و يقول أنه يمثل القانون!!

نقول لهذا العميد: يا أخا العرب .. إن طبيعة العمل في المخابرات العسكرية تتعارض مع ما أتيت من أجله. المخابرات العسكرية لها مهام تتعلق بحماية الوطن و المحافظة على الأمن القومي ، أما الأمر الذي أتيت من أجله فهو من اختصاص دور القضاء و الشرطة المدنية. فإذا أراد أحد ما ،  أو جهة ما ، إخلاء منزل من سكانه و طردهم منه فإنه يلجأ للقضاء ، و إذا حكم القضاء بإخلاء المنزل فإنه يرسل مذكرة إخلاء إلى أصحاب المنزل ، وهذه المذكرة ممهورة بمهلة تعطي أصحاب المنزل الوقت الكافي لنقض الحكم أو تنفيذه. و إذا لم يمضي اصحاب المنزل باتخاذ أي من هذين الإجرائين فإن القضاء يصدر أمراً للشرطة المدنية كي تقوم بإخلاء المنزل من سكانه و هذا هو بالضبط ما يسمى نظام و قانون.

فلماذا تتجنب الجهات التي أرسلتك القضاء؟ هل لأن قضيتهم خاسرة ، أم لأنهم لم يعتادوا اللجوء للقانون و لو لمرة واحدة في حياتهم؟!!

أما هذا الذي تفعله أنت ، و تسميه نظام ، فإنه عند جميع أمم الأرض يُسمى "بلطجة". لأن يعتدي على أملاك الناس ، و من يقطع أرزاق الناس ، و من يسلب الناس حرية اختيار أمكنة عملهم هو بلطجي ، هل استوعبت الأمر أم نشرحه لك مرة أخرى؟

و إذا كنت أيها العميد معتاداً أن تكذب على رؤسائك فهذا لا يعني أنك ستتمكن من تسويق مااعتدت عليه بين رجال سيادة القائد.
أما سعيك لحمل مدير المنزل كي يلتحق بالطرف القوي فربما يكون في جلاء هذا الأمر فائدة  لمن أرسلك ، كي يتعرف على حقيقة ولاء أزلامه له.
☆ ☆ ☆ ☆ ☆
بعد مغادرة العميد سليمان العبدالله لشاليه أفاميا ، و في اليوم التالي جاء أحد العناصر التابعة لفرع المخابرات العسكرية ويدعى / نضال شاهين / و بحوزته تليفون لاسلكي و قال لمدير المنزل لقد أتيت إلى هنا لأن رئيس الفرع العميد سليمان عبدالله يريد التحدث معك ، و بعد أن اتصل
/ نضال / برئيس الفرع أعطى جهازه اللاسلكي لمدير المنزل و جرى بينهما الحوار التالي:

العميد سليمان: أسمع ما سأقوله لك ، إن الموضوع ليس بالبساطة التي تتصورها ، الموضوع أكبر مني و منك و يجب عليك أخذ الأمور بعقلانية ، لا تنجر للعواطف و لا تنسى أن لديك عائلة و أطفال. نفذ ما نطلبه منك وانا أعدك أنه لن يمسك أي سوء ، بل سوف تكون أمورك ممتازة ، أنا لم أرسل لك لا دوريه و لا عناصر بل أرسلت شخصا أنت تعرفه و أنتم من نفس الحي ، قم بطرد هؤلاء الناس وأجلب لي مفاتيح الشاليه الى الفرع و أنا سأتصل أمامك بالقيادة وأقول لهم أنك كنت متجاوب جدا معنا وأنك نفذت كل ما طلبناه منك من دون أي تاخير و أنت تعرف أن هكذا أمر سوف يعود عليك بالخير و سوف تبقى مسؤولاً عن الشاليه و علاقتك ستكون معنا و هذا ما يفعله أي عاقل ، أحسبها جيداً ماهو الأفضل ان تكون مع الدولة و برعايتها او أن تكون ضدها و متمرداً عليها؟ طبعاً انت تعرف مصير من يتمرد على أوامر القيادة.
يالله يا بطل أعمل ما أقوله لك وأنا بانتظارك بالفرع.

مدير المنزل: بالتأكيد يا سيادة العميد أنا لم و لن أتمرد على الدولة بل أنا مع الدولة و لم أفارقها ، و لأني مع الدولة فقد قلت لك أننا سننفذ أي أمر يصدر عن السيد الرئيس أو عن دار القضاء و هذا هو مفهوم الدولة لدي. أما إذا كان مفهوم الدولة لديك شيئ آخر فأنا أقول أني لن أخون ثقة سيادة القائد مهما كانت المغريات و مهما كانت التهديدات و مهما كانت النتائج.

العميد سليمان صارخاً: و الله سأريك الجحيم بأقرب وقت ممكن. و قطع الإتصال.
 
في اليوم الذي تلا هذا الإتصال أتت عدة سيارات ستيشن تابعة للمخابرات العسكرية و أخذت مكانها مقابل الشاليه و ترجل منها عشرات المسلحين بسلاح الميدان الكامل و الدروع و الحواجز و أخذوا يقومون بمطاردة القادمين إلى الشاليه من عمال و مزارعين و حراس و حتى أولئك القادمين من أجل استلام إعاناتهم المالية ، فيقومون باعتقالهم لعدة أيام في فرع المخابرات العسكرية و ينهالون عليهم بالضرب و التعذيب و من ثم يطلقون سراحهم بعد إجبارهم على توقيع تعهد بعدم العمل أو الإقتراب من شاليه أفاميا ، و أيضاً إجبارهم على التوقيع على أوراق بيضاء فارغة!!.

أعتقلوا الشباب و الفتيات و الشيوخ و السيدات المسنات بطرق مهينة ، و كان بين هؤلاء الشيوخ من خاضوا حرب تشرين عام 1973 و من خاضوا حرب لبنان 1982 ضد الإجتياح الإسرائيلي ، و الذي كان يعتصر قلوب هؤلاء الأبطال ، و يزيد في مرارتهم ، أن الذين يعتقلوهم لا ينبثون ببنت شفا لا بالجولان المحتل ، و لا بلواء اسكندرون المسلوب...!

دام هذا الحصار حوالي عشرون يوماً منع عناصر المخابرات العسكرية خلالها وصول أي إنسان إلى شاليه أفاميا و كلهم أمل في أن يعمل هذا الحصار على قطع إمدادات الطعام عن العمال و المزارعين و الحراس المرابضين داخل الشاليه ، و بالتالي إجبارهم على الإستسلام و الرحيل.

و لكن الذي لم يكن بحسبان عناصر المخابرات العسكرية هو أن يقوم محبي سيادة القائد بأعمال بطولية حقيقية من أجل الوقوف مع رفاقهم المحاصرين بالشاليه. فبعد ثلاثة أيام من الحصار فوجئ عناصر المخابرات بشاحنة كبيرة تسيرة بسرعة عالية قادمة من خلف المدينة الرياضية على الطريق المتاخم للشاليه ، و في اللحظة المناسبة انعطفت يساراً و كسرت حاجز المخابرات العسكرية و دخلت إلى حرم الشاليه. هذه الشاحنة كانت محملة بطعام و شراب يكفي المحاصرين لثلاثة أشهر على الأقل.

ورغم مطاردة المخابرات العسكرية للعاملين في الشاليه و قيامهم بإطلاق النار بشكل عشوائي لإخافة القادمين إليها فقد كان هؤلاء العمال يبذلون أقصى جهدهم  للوصول الى مكان عملهم ، و كان عدداً كبيراً منهم يرمي بنفسه في البحر عند مطاردة المخابرات لهم ، ليتابعوا السباحة بثيابهم حتى يصلوا إلى الشاليه.

في هذه الأثناء كان القضاء قد أصدر حكمه بقبول الطعن الذي قدمه المحامي نبيل الكزبري و قام بإرسال نسخة مستعجلة إلى المحكمة المختصة في اللاذقية و نسخة أخرى إلى محافظ اللاذقية ، و أيضاً نسخة إلى المجلس البلدي في المحافظة ليصبح الأمر برمته بيد القضاء. و أمر القضاء كان واضحاً .. و تم تذييله بعبارة تقول: على المتضرر اللجوء للقضاء.

و بالنتيجة ، و بعد فشل الحصار ، و بعد وصول الأمر إلى القضاء اضطرت قوات المخابرات أن تنسحب و تعود إلى أماكن عملها.

و هنا كلمة حق لا بد من ذكرها فقد كان الكثيرين من عناصر المخابرات العسكرية يغضون الطرف عمداً عن القادمين إلى الشاليه ، بل و كان بعضهم يقوم بعرض خدماته مجاناً على المحاصرين ، و ماكان لهذا أن يحدث لولا حب هذه العناصر لسيادة القائد و ولائهم الشديد لسيادته.

الدكتور دريد رفعت الأسد:

وصلت أنباء هذا الحصار إلى دمشق ، و عندما علم الدكتور دريد الأسد بهذه الأنباء أتى إلى اللاذقية و زار شاليه أفاميا و بدأ يسأل عن صحة ما سمعه. مدير المنزل و العاملين فيه شرحوا للدكتور دريد كل شيئ ، فاتصل الدكتور دريد بالعميد سليمان العبدالله و جرى بينهما الحوار التالي:

الدكتور دريد: هل صحيح أنكم تريدون طرد العاملين من الشاليه و مصادرة المنزل؟

العميد سليمان: لا ... لا أبداً ، لم يحصل هذا و لم نطلب اي شيئ من هذا القبيل ، لكن هناك عدة غرف مبنية على أرض تابعة لوزارة الدفاع و طالبنا بإزالتها فقط.

الدكتور دريد: حسناً ، إن هذا الموضوع يخص القضاء و المجلس البلدي و أي قرار يصدر عن القضاء و المجلس البلدي بهذا الشأن فسوف نتعاون معه. أما اذا كان الموضوع يتعلق بمنزل القائد فيجب عليك إعلامي بالامر ، القائد في سفر و هذا المنزل هو منزلنا و أنا موجود هنا في اللاذقية حالياً فأرجو منك تبليغي بأي أمر يخص هذا المنزل.

الدكتور دريد أدرك أن العميد سليمان يكذب ، فأنباء الحصار وصلت إلى دمشق ، و ليس من المعقول أن تكون شهادات عشرات العاملين بالشاليه غير صحيحة. فقال الدكتور دريد للمجتمعين حوله :  كما سمعتم ، لقد أنكر العميد سليمان كل شيئ. أنا أصدقكم ، ربما كان يوجد لديه تعليمات و أوامر بطرد العمال و مصادرة المنزل ، أما الآن فيبدوا أن هذه التعليمات قد تغيرت ، لذلك أطمئنوا و تابعوا أعمالكم.   

في اليوم التالي جاء / نضال شاهين / مبعوث العميد سليمان العبدالله إلى شاليه أفاميا و معه جهاز الإتصال اللاسلكي و طلب من مدير المنزل التحدث إلى العميد سليمان من خلاله.

خاطب العميد سليمان مدير المنزل بلهجة هادئة و قال: حسناً ، لتبقى الامور كما هي و كل ما نرجوه منكم هو خفض عدد عناصر حراسة المنزل الذين يحرسون الجهة المطلة على المدينة الرياضية.

مدير المنزل: لابأس ، لا يوجد لدينا أي مانع من التعاون في هذا الأمر و سوف نلبي هذا الطلب و نقوم بتخفيف الحراسة.
☆ ☆  ☆ ☆
↓ ↓ ↓ ↓ ↓
قرار سيادة القائد

كان يتم عرض أخبار شاليه أفاميا على سيادة القائد بشكل يومي. و عندما علم سيادته أن هذه الشاليه قد شكلت هاجساً حقيقياً للطرف الآخر ، و أن القضاء لن يستطيع حماية الأبرياء الذين يعملون بالمنزل ، قرر سيادته أن يقدم هذه الشاليه هدية لهم.

و كلف سيادته أبنته الآنسة نتال بالذهاب إلى سوريا لمقابلة الرئيس حافظ الأسد و تقديم مفتاح الشاليه له.
بالنسبة للقضاء فقد كان ما يزال له بقية من الإعتبار عند رجال سيادة القائد ، و لهذا فقد عملت إدارة الشاليه على تكليف المحامي نبيل الكزبري برفع دعوى قضائية مستعجلة على الجهات التي تقوم بالتعدي على حرمة هذا المنزل و العاملين فيه. وقام المحامي المذكور بتقديم طعناً رسمياً لدى المحاكم المختصة بمثل هذه القضايا راجياً أن يتدخل القضاء لوضع حدٍ للجهات التي تتجاوز القانون و تعتدي على المواطنين. 
☆ ☆  ☆ ☆
الإلتفاف على حكم القضاء و ضربه عرض الحائط

مضت أيام قليلة بهدوء و بدون أية منغصات و أصبح جميع العاملين مطمئنين أنه لن يجرؤ أحد على مضايقتهم بعد الآن. فأمر القضاء كان واضحاً و صريحاً ... ولكن ما الحيلة عندما تتعامل مع جهات لا ترى هذا القضاء و لا تقيم له وزناً؟؟!!

الذي حصل هو أن الجهات التي تقف وراء العميد سليمان كانت تبحث ، خلال أيام الهدوء هذه ، عن وسيلة لتجاوز قرار القضاء ، و الذي حصل أخيراً هو أن العميد سليمان العبدالله استدعى إلى مكتبه محافظ اللاذقية و رئيس المجلس البلدي و أتفق معهم على أن يقوموا بإصدار مذكرة تتضمن قبول الطعن الذي صدر عن القضاء شكلاً و رفضه مضموناً..!

و فور صدور هذه المذكرة قام العميد سليمان العبدلله بإصدار التعليمات لعناصره بمحاصرة شاليه أفاميا مرة اخرى و لكن .. بحجم قوات أكبر و عتاد عسكري أثقل ، و عادت المشاكل إلى السطح من جديد.
*  *  *  *  *  *  *
*  *  *  *  *  *  *
في صباح اليوم التالي و بينما كانت الآنسة نتال تنتظر إتصال مدير مكتب الرئيس السيد أبو سليم دعبول في دمشق ، وصلت إلى شاليه أفاميا عشرات الآليات العسكرية والدبابات و المصفحات الحربية يرافقها أكثر من ألفي جندي و مئات من عناصر المخابرات العسكرية و الشرطة العسكرية و جنود حفظ النظام و قاموا بتطويق الشالية من جميع الاتجاهات. و من جهة البحر قامت أربع زوارق حربية مدججة بالمدافع و الرشاشات بتطويق المدخل البحري المؤدي للشاليه ، و هكذا لم يبقى للمحاصرين داخل الشاليه أي منفذ للخروج منها.

أخذت القوات المقاتلة تعمل على إحكام تطويقها للشاليه ، وقد تم استخدام أسطح المباني المجاورة كشاليه الأستاذ جميل الأسد رحمه الله و أيضاً أسطح  الأبنية المجاورة لنادي الفروسية و أخذت المدافع و الدبابات توجه فوهاتها للداخل بينما أحتشد الجنود مع دروعهم الواقية حول المداخل و السور الخارجي استعداداً للهجوم عليها ، و من ناحية أخرى تم أيضاً قطع جميع الطرقات الرئيسية و الفرعية المحيطة بالشالية و تم تحصين الإتجاه المعاكس لحماية خلفية القوات حيث كان النظام يضع احتمال نشوب مواجهات مع السكان المحليين المؤيدين لسيادة القائد بعين الإعتبار.
↓ ↓ ↓ ↓ ↓
↓ ↓ ↓ ↓ ↓
الأستاذ ريبال رفعت الأسد

كان الأستاذ ريبال يتابع هذه التطورات عن طريق مدير المنزل ، واتت عملية الإلتفاف على أمر القضاء و نسفه لتضعه أما تساؤلات عديدة حول حقيقة الذي يجري. و سعياً منه لمعرفة مايدور اتصل بالعميد سليمان العبدالله ، و حسبما علمنا فقد جرى بينهما الحوار التالي:

الاستاذ ريبال: هل لك يا عميد سليمان أن تعرض علي حقيقة الأوامر التي لديك؟

العميد سليمان: عذراً يا أستاذ فأنا لدي توجيهات و هذا هو كل ما استطيع أن أقوله لك الآن.

الأستاذ ريبال: أليس من حقنا أن نعرف مصدر هذه التوجيهات؟ هذا منزل نائب الرئيس و شقيقه ، فإما أن يكون هناك أمراً من الرئيس بتسليم المنزل أو أن يكون هناك حكم قضائي بتسليمه. أما إذا أراد الرئيس إرسال أحد أولاده لاستلام المنزل فلا مانع لدينا لأننا عائلة واحدة.

العميد سليمان: والله يا أستاذ أنا أكرر أسفي فقد أتتني هذه التوجيهات و لا أستطيع أن أكشف هوية هذه الجهات أو أن أخوض في أية تفاصيل..

إذاً عاد الحصار و عادت معه الإعتقالات و ضرب الناس و تعذيبهم و ترهيبهم و عادت المشاكل لتؤرق أصحاب هذا المنزل و كل العاملين فيه.

فقام اصحاب الحكمة باتخاذ الإجراء الكفيل بنزع فتيل هذه الأزمة و الحفاظ على سلامة المواطنين الأبرياء.
طلب مدير المنزل من جميع عناصر الحراسة أن يحافظوا على الهدوء التام ريثما يتم إعلام أصحاب الشاليه بهذا الأمر

و بينما همَّ مدير المنزل بالإتصال بأصحاب الشاليه لشرح الوضع الجديد دخل رئيس حرس الشاليه إلى المكتب مسرعا و قال لمدير المنزل: "إن رئيس فرع المخابرات العسكرية يريد ان يتحدث إليك" فقال مدير المنزل: "قل له انه بإمكانه أن يتفضل الى المكتب لعرض أي أمر يتعلق بالشاليه" خرج رئيس الحرس و دعا العميد سليمان العبدالله للدخول ، إلا أن العميد كاسر الضاهر رئيس فرع الشرطة العسكرية قال للعميد سليمان: "أنصحك بعدم الدخول اليهم ، فربما يقومون باحتجازك رهينة لديهم". و لدى توجه رئيس الحرس إلى المكتب لإعلام مدير المنزل بما بما حصل سمع جميع من في داخل الشاليه صوت إطلاق بعض الأعيرة النارية في الخارج .

عاد رئيس الحرس و خاطب العميد كاسر الضاهر رئيس فرع الشرطة العسكرية راجياً أن يأمر بوقف إطلاق النار و قال: " أرجوا منك ياسيادة  العميد ان تعطي امراً لعناصرك بعدم اطلاق النار فنحن ابناء وطن واحد ، نحن جنود هذا الوطن ، لقد حاربنا العدو سوية و لنا تضحيات كبيرة".  ". فقال العميد كاسر "يوجد لدينا أوامر بإخلاء الشاليه مهما كلفنا الامر و قد صبرنا بما فيه الكفاية وسوف نرى عنادكم هذا إلى أين سيوصلكم".

و هنا رفع العميد كاسر الضاهر يده للقوات في إشارة لبدء الهجوم و صرخ بصوت مرتفع "هجــــوم!!" و بدأت القوات المهاجمة بقصف الشاليه بقاذفات الآر بي جيه و المدافع الثقيلة و الرشاشات الأوتوماتيكية.

الفوضى!
مع بدء الهجوم عمت الفوضى في الخارج وبدت صنوف المهاجمين من شرطة العسكرية و قوات حفظ النظام و مخابرات عسكرية وقوى بحرية كل يغني على ليلاه ..! و لم يكن يوجد أي تنسيق فيما بينهم. و في حين بدأ بعض عناصر القوات المهاجمة بإطلاق النار باتجاه الشاليه أخذ البعض الآخر يصرخون بهم .." ماذا تفعلون؟؟ هذا منزل القائد رفعت الأسد .. توقفوا عن اطلاق النار!! فمنهم من استجاب و منهم من لم يسمع من شدة الضوضاء و منهم من تابع إطلاق النار .. ضوضاء و فوضى و صراخ بالخارج أزادت حدتها مع بدء بعض المهاجمين بإطلاق النار على رفاقهم الذين لم يستجيبوا لنداء وقف إطلاق النار على الشاليه و قد تبين لاحقاً أن العديد ممن أصيبوا من القوات المهاجمة كانوا قد تلقوا الرصاصات من الخلف!!. 

و أخيراً تمكن مدير المنزل من الإتصال بالأستاذ ريبال الاسد...

الأستاذ ريبال: ما هذه المفرقعات و الضوضاء

مدير المنزل يصرخ بأعلى صوته: إنهم يقصفون الشاليه

الاستاذ ريبال: من؟!!!

مدير المنزل: المخابرات العسكرية و الشرطة بجميع أنواعها و الجيش و قد أتوا بالدبابات و العربات القتالية المصفحة و نحن محاصرون..

الأستاذ ريبال: حسناً حسناً سنعمل فوراً على معالجة الأمر!!

دقائق مرت عمل فيها جميع المتواجدين على ضبط النفس و على عدم الرد على القصف الذي كان مستمراً. فأمر مدير المنزل جميع الموجودين داخل الشاليه بالتجمع و التوجه إلى فناء الشاليه الخارجي و الهتاف بصوت واحد بحياة الرئيس حافظ الأسد ، و أخذ أكثر من مئتي شاب و فتاة بالهتاف بأعلى صوتهم "بالروح بالدم نفديك يا حافظ"

و قد اعتقد الجميع أن هذا الهتاف ربما يكون الطريق الأمثل و الأقصر لإيصال رسالة إلى السيد الرئيس و هي أننا نحب الرئيس حافظ الأسد كما نحب القائد رفعت الاسد و أننا لسنا أعداءً للرئيس أو للدولة..! فقامت القوات المهاجمة بالرد على مصدر "الهتافات" بالرشاشات الأوتوماتيكية وسقط العديد من الهاتفين بين قتيل و جريح.

اتصل الأستاذ ريبال بمدير المنزل و سأله عما إذا كان القصف قد توقف أم لا .. فقال مدير المنزل: "كما تسمع يا أستاذ القصف مازال جارياً" و في هذه اللحظة دخل أحد عناصر الحراسة إلى المكتب و يديه الملطختان بالدماء على صدره و قد اصيب بطلق ناري..

الأستاذ ريبال: مذا يحصل؟؟؟ هل يطلقون النار على العمال مباشرة؟

مدير المنزل: للأسف نعم .. لقد سقط العديد من الجرحى و استشهد العامل حسام محرز نتيجة إصابته برشقة من رشاش أوتوماتيكي بينما كان الجميع يهتفون بحياة الرئيس حافظ الأسد.   

الأستاذ ريبال: إن القائد يحاول الإتصال بالرئيس منذ اللحظة الأولى للهجوم و لم يتمكن من الوصول إليه و أيضاً قمنا بإرسال فاكس للقصر الجمهوري.

مدير المنزل: ماذا نفعل الآن؟ إنهم يقتلوننا!!

الأستاذ ريبال: حاولوا الخروج من الشاليه أو الإختباء بداخلها و لا تعرضوا أنفسكم للخطر. إن القائد مازال يعمل على طلب الرئيس.

مدير المنزل: أين نذهب إن الشاليه محاصرة من جميع الجهات وأنت تسمع مدى قوة وعنف القصف الموجه إلينا ، إنهم لم يتركوا أي ثغرة للخروج من الشاليه و يبدوا أنهم جاؤوا لارتكاب مجزرة فحتى المكان الذي أتكلم منه اصبح عرضة للقصف و بعض القذائف قد سقطت على الجانب الغربي للمكتب و إنني لن استطيع الاتصال بك بعد الان ... عموماً لا تقلق علينا يا أستاذ فلطالما قلنا أن أرواحنا هي فداءً للقائد و للرئيس و الآن أيضاً نحن فداءً للقائد و للرئيس و لم يتغير شيئ بالنسبة لنا فنرجوك أن تبلغ سيادة القائد حبنا و ولائنا له و قل له ان لايشغل باله علينا فنحن فداءً لسيادته و لمبادءه و لقيمه. وردد جميع من كانوا يستمعون للمكالمة "نعم إننا فداءً للقائد"

الأستاذ ريبال: إنشاء الله لن تصابوا بمكروه ، حاولوا تجنب النيران قدر المستطاع و لا تردون على إطلاق النار ، القائد يحاول الوصول للرئيس لإيقاف هذا الهجوم.

الإتصال السابق كان الأخير ، و أيضاً كان هذا الإتصال هو آخر شيئ ربط المتواجدين داخل الشاليه بالعالم الخارجي.
مخطط تقريبي يبين أمكنة تموضع القوات
1       2       3       4       5       6       7       8
1       2       3       4       5       6       7       8