أفاميا
 
↓ ↓ ↓ ↓ ↓
↓ ↓ ↓ ↓ ↓
بعد الإتصال الأخير أيقن مدير المنزل و من معه أنهم باتوا في محرقة معزولة عن العالم الخارجي و أنهم أمام موت محقق لا محالة.

فالقصف على أشده و لا منفذ للخروج من المكان ، و سيادة القائد لم يتمكن من الوصول للرئيس و هتافهم بحياة الرئيس لم يعطي أي نتيجة ، بل على العكس فإن الإصابات المباشرة و القتل العمد لم يبدأ إلى بعد البدء بهذه الهتافات!!

و مع ازدياد أعداد المصابين قرر الجميع أنه عليهم مواجهة مصيرهم بكل شجاعة و بسالة ، و بدؤا بالرد على مصادر النيران مباشرة ، و هذا حق يكفله لهم الشرع و القانون .. و هو حق الدفاع عن النفس.
الرد على مصادر النيران أجبر القوات المهاجمة إلى التراجع الى خلف السواتر التي قاموا بإنشائها قبل الهجوم ، و توقف أطلاق النار لدقائق. ربع ساعة مرت على هذا الحال تهيأ للمحاصَرين خلالها أن تسوية ما قد حصلت إلا أن الواقع كان غير ذلك تماماً ..إذ قام المهاجمون برص صفوفهم من جديد و بدؤوا بالتقدم خلف الدبابات و العربات المصفحة من نوع  ب-ت-آر و ب-م-ب ، و في وقت واحد قامت هذه الدبابات و المصفحات بتوجيه قذائفها بغزارة باتجاه الشاليه ، و بالتزامن معها بدأت الزوارق البحرية باطلاق رشقات من مدفعيتها باتجاه الجانب البحري للشالية و أخذت سعف النخيل تتهاوى و الجدران تتحطم و الأبواب و النوافذ تتساقط ... ثلاث ساعات على هذه الحالة ، و لكن رغم شدة القصف و كثافة النيران لم تتمكن القوات المهاجمة من اقتحام الشاليه ... و لهذا طبعاً أسبابه...

فمقارنة مع جنود القوات المهاجمة الذين لم يخوضوا حرباً واحدة في حياتهم ، كان يوجد بين المحاصَرين عدد لابأس به من جنود سرايا الدفاع السابقين ، و من المعروف أن جنود سرايا الدفاع قد تلقوا أفضل التدريبات العسكرية و يتمتعون بمهارات قتالية عالية بفضل الحروب التي خاضوها ضد الجيش الأسرائيلي على سفوح جبل الشيخ و في حرب لبنان. و بالطبع ، إن الجهة التي أرسلت العميد كاسر الضاهر تعلم هذا الأمر جيداً ، و ما أرسال هذه الجهة لأكثر من أربعة آلاف جندي للهجوم على شاليه أفاميا إلا لمعرفتها بأن كل عنصر من عناصر سرايا الدفاع سيحتاج مقابله عشرة عناصر من وحدات الجيش الأخرى. و بالفعل .. و رغم بساطة أسلحتهم و تجهيزاتهم فقد أستطاع هؤلاء الجنود توجيه ضربات موجعة للقوات المهاجمة عن طريق تنفيذهم لخمسة مناورات ناجحة أذهلت العميد كاسر الضاهر عن نفسه و جعلته يأمر قواته بالتراجع و من ثم معاودة الهجوم خمسة مرات متتالية ...!

العميد كاسر الذي كان مطالباً بحسم المعركة خلال دقائق كان يتلقى أتصالاً من الجهة التي أرسلته كل ربع ساعة للأستفسار عن النتيجة و في كل مرة كان يقول: "لم نتمكن من الإقتحام بعد" .. فقامت هذه الجهة بتعزيز القوات المهاجمة و أرسلت ثلاثة مروحيات حربية للمشاركة في الهجوم تحت إمرة العميد كاسر الضاهر.      

و بأنصاف نقول: أنه لو لا لجوء القوات المهاجمة للمروحيات التي قامت بإطلاق القذائف المشلة للأعصاب و القنابل المسيلة للدموع لما استطاعت اقتحام الشالية.

أحدثت قذائف الغاز غمامة كثيفة غطت سماء الشاليه و محيطها و هدأت على أثرها النيران من الطرفين. جنود الجيش المهاجم كانوا مجهزين بالأقنعة الواقية أما عناصر الشاليه فلم يكن لديهم ما يجنبهم تأثير هذه الغازات. و في حين عمل البعض على تغطية وجوههم بأقمشة مبللة بالمياه  فإن تأثير الغاز كان شديدأً على من ليس لديه خبرة سابقة. أمام الوضع الراهن ، و نظرا لتعرض حياة الموجودين من الاطفال و النساء و المسنين للخطر ، نزل مدير المنزل الى الملجأ الذي يحتمون به و قال لهم: "كما رأيتم، لم يكن أمامنا خيار آخر ، لقد قاموا بإغلاق كل المنافذ و لم يتيحوا أي مجال للكلام ، لقد فرضوا علينا حرباً لم نكن نريدها .." و بعد التشاور فيما بينهم تقرر إخراج النسوة و الاطفال و كبار السن وعدد كبير من الشباب المزارعين وعمال الصيانة .. و هذا ما حصل إذ توجهوا مجتمعين إلى البوابة الرئيسية ، و ما أن وصلو إليها حتى انهال عليهم الجنود المهاجمين بالضرب و الشتائم و الإهانات.
  
خروج النسوة و الأطفال شكل ارتياحاً لمن تبقى من المحاصَرين الذين أصروا على البقاء للدفاع عن منزل قائدهم حتى نفاذ الذخيرة التي بحوزتهم آملين أن تؤدي محاولات سيادة القائد للإتصال مع السيد الرئيس إلى وقف هذا الهجوم بأقرب وقت ممكن.

ماهي إلا دقائق حتى تجدد القتال ثانية ، و استبسل عناصر الحراسة في الزود عن منزل قائدهم و لقنوا العميد كاسر الضاهر و جنوده دورساً في الشجاعة و المهارات القتالية و بدا كاسر الضاهر في قمة الإرتباك فما أن يصرخ "هجوم" حتى يتبعها بالصراخ "تراجعوا تراجعوا تراجعوا" ..!

ساعتين من القتال الضاري كان القصف خلالها ينطلق باتجاه الشاليه على أشده و بمشاركة طائرات الهليكوبتر و مع ذلك لم تستطع الجنود المهاجمة التقدم متراً واحداً.

هذا المشهد يذكرنا بحرب 1973 عندما تم الإعلان عن وقف اطلاق النار تحت أشراف الأمم المتحدة في الوقت الذي كانت فيه اسرائيل ماتزال تحتل القنيطرة. فرفض قائد سرايا الدفاع هذا الأمر و بقي يقاتل مع جنوده 90 يوماً أخرى حتى تم تحرير القنيطرة على أيديهم.

و لكن ... لكل شيئ نهاية .. فالذخيرة التي بحوزة عناصر الحراسة قد شارفت على الإنتهاء و أصبحت جعب بعضهم خاوية من الرصاص .. و تزامن هذا مع قيام المروحيات بإطلاق قذائف الغاز المشل للأعصاب مرة ثانية...

ماذا نفعل؟؟ سأل بعضهم مدير المنزل ، "الذخائر شارفت على الأنتهاء و لن يبقى لدينا مانقاوم به"

مدير المنزل: نعم ، أنا أعي هذا ... و أعلم أنكم بذلتم مافي وسعكم.

قال كبيرهم: "نحن كعناصر حراسة قد قمنا بواجبنا أمام الله. أما الآن فإن الاستمرار في القتال لم يعد يجدي ، الأستمرار في هذا من دون ذخيرة هو انتحار مؤكد و هذا لايجوز ... " و سأل مدير المنزل: "هل تعتقد أن الأمر لم يصل للسيد الرئيس بعد؟!!".

نظر مدير المنزل إلى وجوه هؤلاء البواسل التي تغطيها سموم الغازات و الغبار .. و نظر إلى أجسادهم المغطاة بالدماء: " لا .. لا أعتقد أن يتحرك هذا الجيش و هذا العتاد العسكري الضخم و يحدث مثل هذا الدمار في سوريا دون علم السيد الرئيس .. لا بد و أن سيادته قد أصبح على علم بكل مايجري ..."

كان التشاور في الأمر هو سيد الموقف الذي جمع هؤلاء الشجعان .. و بالتأكيد لم يكن أحد ليلومهم على أي قرار يتخذونه مجتمعين ..

لقد فرض الواقع نفسه عليهم مرتين ، مرة عندما تم اقحامهم في حرب لم يريدوا لها أن تحدث ، و مرة عندما اجتمعت لديهم الدلائل على أن الذي يحدث إنما يحدث بعلم و موافقة الرئيس حافظ الأسد.

و هكذا أتى قرارهم "التسليم بالأمر الواقع" ليضع نهاية لهذه المواجهات الدامية ، و نهاية لواحدة من حلقات الإعتداء السافرة ، التي ماكان لها أن تحدث على الإطلاق .. لو اتيح المجال للقانون أن يأخذ مجراه .. و أن لا يبقى مجرد رسماً على الورق..!
1       2       3       4       5       6       7       8
1       2       3       4       5       6       7       8
☆ ☆  ☆ ☆
شهود من الجانب الآخر:

لقد عمد النظام السوري في اختياره لضباط و جنود الجيش المهاجم إلى مراعاة التالي:

1- أن يكون الضباط من النوع التافه الخالي من الإحساس الوطني و الإنساني ، و الحمد لله أنهم قلّة في الجيش.
2- تجنب أي ضابط أو عنصر ممن يُعتقد أنهم من مؤيدوا سيادة القائد رفعت الأسد.
3- تجنب المقيمين في اللاذقية و جوارها و الحرص على أرسال ضباط و عناصر يجهلون هوية و عائدية المكان المهاجم

و مع ذلك فقد كان يوجد بينهم العديد من العناصر المؤيدة لسيادة القائد و الرافضة لهذا الأسلوب الهمجي و قد تم تسجيل العديد من حالات الرفض بعد أن عرفوا عائدية المكان و كما ذكرنا سابقاً فقد تبين بعد انتهاء الهجوم أن العديد من جرحى و قتلى الجيش المهاجم كانوا قد تلقوا الطلقات من الخلف مما يؤكد أن رفاقهم قد قاموا بإطلاق النار عليهم بعد أن أمروهم بالتوقف و لم يتوقفوا و اعترف بعض الضباط بهذا في المحكمة لاحقاً و أقروا بأن أكثر اصابات جنودهم قد نتجت عن أطلاق ناري مقصود من قبل رفاقهم.

رفض للأوامر و إعلان الولاء لسيادة القائد رفعت الأسد:

- عندما بدأ الهجوم و بدأ معه قصف الشاليه اعطى أحد الضباط (و هو برتبة رائد) أوامره لقائد الدبابة باطلاق النار على الشاليه فرفض قائد الدبابة الأمر و قال للرائد: "لن اقصف هذا المنزل مهما حصل". فصرخ به الرائد: "نفذ وإلا ستعدم لعدم الإلتزام بالأوامر العسكرية ، نحن في معركة ولا مجال للنقاش بهذا الأمر" و عندما أصر قائد الدبابة على الرفض قام الرائد بالدخول إلى حجرة الرامي بالدبابة و قام بإطلاق النار على الشاليه بنفسه.

- بعد انتهاء الهجوم قام هذا الرائد بقيادة تلك الدبابة الى مدخل الشاليه و ترجل منها ضاحكاً و رافعا اشارة النصر ، فنهره أحد ضباط المخابرات و قال له حرفياً "انزل يديك كفانا مسخرة ، هل انتصرت على هؤلاء!!!؟" مشيراً بيده الى النساء و الاطفال و العناصر الذي تم تركيعهم امام مدخل الشاليه.

- قام احد عناصر حفظ النظام بالتعرض للفتيات بكلام بذيئ وغير اخلاقي فقام احد عناصر المخابرات بنهره بالقول "اسكت يا أبن الكلب" و قال للفتيات "لا تخفن فقائدكم هو قائدنا و أنتن اخواتنا و لن أسمح لأحد أن يمسَّكُن بسوء".

- أحد الضباط الذين كانوا ضمن القوة المهاجمة قال أنه بقي لشهور يعاني من القلق و الشعور بالذنب و الخجل: "لقد قالوا لنا أننا سنهاجم مرفأ تهريب و لم أكن أعلم بأننا سنهاجم منزل الدكتور رفعت الأسد ، أين هو ذاك المرفأ و أين هم أولئك المهربون؟؟؟".  

ولاء الشعب للقائد:

- بعد انتهاء المعركة و في طريق عودة أرتال الجيش المهاجم و الدبابات عمل الأهالي على التجمهرعلى أطراف الطرق و قاموا برشقهم  بالحجارة و هم يكليلون لهم الشتائم و يرددون: "أيعقل أن تهاجموا منزل القائد الذي حمى سوريا و حمانا و حمى أخاه؟" و أيضاً: "الجولان ليست من هنا".

- في جنازة أحد ضحايا النظام (أحد الجنود المهاجمين) أخذ أهل الميت يصرخون هل ترسلون أولادنا ليهاجموا منزل القائد رفعت الأسد؟؟ هل أرسلناهم إلى الجيش من هذا أم من أجل حماية الوطن و تحرير الجولان؟!
☆ ☆  ☆ ☆
في فرع المخابرات العسكرية:
يتبع
سار الجميع باتجاه الباب الرئيسي بموازاة السور الفاصل بين شالية أفاميا و شاليه المرحوم الأستاذ جميل الأسد و لدى وصولهم للباب الرئيسي كان جنود الجيش المهاجم و الشرطة و المخابرات بانتظارهم. و عملاً بقانون المافيا المسلحة التي تهاجم ، تقتل ، تعتقل ... و أيضاً تحاكم ، فقد قام عناصر المخابرات و الشرطة العسكرية بكل هذا دفعة واحدة ..! و لما الإنتظار طالما أن الصلاحيات مفتوحة و لا وجود للقيود أو القوانين؟!! 

فقاموا بسطحهم أرضاً و بدؤا برفسهم على وجوههم و بطونهم و الضرب بكل قوة بأخماص البنادق المعدنية و الخشبية على وجوههم حتى سمع الجميع أصوات تكسر جماجمهم، و لشدة الحقد قاموا بتوجيه ضربات قوية على منطقة الفك بغية كسره عمداً و أخذ بعض عناصر الشاليه يلفظون الدماء و الأسنان المتكسرة من أفواههم، وعمد بعض أزلام النظام إلى توجيه الضرب بفوهات البنادق المعدنية على المناطق الحساسة في الجسد و هم يكيلون أفظع الشتائم و أقذرها، و في أقل من خمسة دقائق أصبح الجميع يغطون في بحيرة من الدماء.

رأى هذا و رواه كل الذين كانوا قد خرجوا سابقاً من الشاليه، حيث كانوا يجلسون القرفصاء و أيديهم فوق رؤوسهم كأسرى الحروب.

و حتى الطفل علي أبن السنوات الأربعة الذي كان يبكي و يصرخ من شدة الخوف ، كان يضع يداه هو الآخر فوق رأسه و يراقب هذه المشاهد الوحشية و المرعبة بعينيه الصغيرتين!!

مدير المنزل كان له معاملة خاصة ، فأحاط به أكثر من عشرة عناصر من المخابرات و الشرطة العسكرية و انهالوا عليه بالضرب و الشتم و اشترك معهم رئيس فرع المخابرات العميد سليمان العبدالله و هو يصرخ "الم تمت بعد وتريحنا منك يا ..."

و بعد أن أوسعوا الرجل ضرباً رفعوه عن الأرض و جروه إلى داخل الشاليه حيث كان رئيس فرع الشرطة العسكرية كاسر الضاهر بانتظاره فاقترب الضاهر من مدير المنزل و ضربه بكعب المسدس على راسه و طلب منه فتح ابواب الشاليه فقال له مدير المنزل لا يوجد أحد في الداخل و لم يطلق أحد اي طلقة من الداخل و أن جميع الأبواب مقفلة فطلب الضاهر من عناصره أن يقوموا بتفتيشه و الحصول على المفاتيح و عندما لم يجدوها معه أعادوا عليه الضرب المبرح و هنا تدخلت احدى الفتيات و قالت أن المفاتيح موجودة مع مسؤولة التنظيف ، فأتوا بتلك المرأة و أمروها بفتح الأبواب و من شدة ذعر عناصر الشرطة العسكرية قام أحدهم بإطلاق النار بمجرد قيام المرأة بفتح أول باب!!! و من ثم قام كاسر الضاهر باستخدام مدير المنزل و مسؤولة التنظيف كدروع بشرية و أخذ يدخل الغرف الواحدة تلو الأخرى و يفتشها مع عناصره. 

و بعدما تأكدوا من عدم وجود أحد داخل الشاليه أخرجوا مدير المنزل و المرأة منها بالركل والشتائم و نزعوا ملابس مدير المنزل عنه ووضعوها على رأسه و زجوا به بإحدى سياراتهم  و أخذوه معهم إلى مقر فرع المخابرات العسكرية.

اما بقية العناصر فقد تم الزج بهم بسيارات الشرطة العسكرية المخصصة لنقل المساجين و تم ترحيلهم إلى فرع المخابرات العسكرية و هنا حصل صدام بين رئيس فرع الشرطة العسكرية و بين رئيس فرع المخابرات العسكرية حيث أراد كل منهما أقتياد المعتقلين إلى فرعه.