


- مسكين باتريك سيل... قادة البلد لم يتوجهوا إلى العميد رفعت لأنهم رأوا أنه أفضل من يحمي النظام فقط. بل لأنهم كانوا يعلمون أن العميد رفعت كان قادراً - ليس فقط على عرقلة قراراتهم - بل حتى على عزلهم من مناصبهم أيضاً.
و على هذا، فإن القادة العسكريين و المسؤولين، بما فيهم أعضاء اللجنة التي شكلها الرئيس، أدركوا أنه لن يكون لهذه اللجنة أية قيمة حقيقية على أرض الواقع إلا إذا انضوت تحت جناح العميد رفعت، و قد تهيأ لهم أن قرار الرئيس، كما بدت أسباب صدوره لهم، بتشكيل لجنة ليس فيها العميد رفعت كان قراراً خاطئاً.
و حتى لا نضع كل المسؤولين في سلة واحدة فإنه لا بد من التمييز بين دوافعهم التي حركتهم آنذاك. فبين مؤيد للعميد رفعت بغض النظر عن احتمال شفاء الرئيس، و بين مراهن على تدهور صحة الرئيس، نستطيع تمييز نوعين من الدوافع التي حركتهم لتأييد العميد رفعت:
البعض كانوا يرون في العميد رفعت القائد الأنسب لسوريا من حيث أنه صاحب الشعبية الأكبر في البلد و يتمتع بكل المزايا التي تؤهله لإدارة الحكم فيها.
أما البعض الآخر فكانوا يرون أن العميد رفعت هو الأكثر قوة، و باستقراء المستقبل وجدوا أنفسهم كمن قيل لهم: "سوف أجعلكم تدفعون ثمن أي سعادة تنالوها من دوني". و لأن الفارق بين قوة العميد رفعت، العسكرية و الشعبية، و قوة أي ممن يليه من رجالات الحكم كان شاسعاً جداً، فلم يكن يوجد أي احتمال للمنافسة. و هكذا حظي العميد رفعت بتأييد الجميع.
إلا أن العميد رفعت رفض هذا الأمر و طالب أعضاء اللجنة أن يقوموا بواجبهم. و الذي حصل فعلاً و لم يذكره الكاتب هنا هو أن عبد الحليم خدام و الشهابي، و إمعاناً منهما في طلب موافقة العميد رفعت على قبول القيادة، قد قالوا له: "نحن لن نعقد أي اجتماع لهذه اللجنة ما لم تكن أنت على رأسها". و هذا هو السبب الذي جعل العميد رفعت يوافق على رئاسة اللجنة، إذ ليس من المعقول أن يتهرب من أداء واجبه الوطني.
يقول الكاتب "إن هؤلاء (الجنرالات) قد قلبوا ترتيبات الأسد"، و نحن نسأله: هل تم هذا فعلاً؟.
أما بخصوص الخطة الأميركية فدعونا نكمل ماكتبه عنها الكاتب و من ثم نضعها تحت المجهر.
ثم وقعت حادثة ما كان يمكن تصور وقوعها لو كان الأسد واقفاً على قدميه. فقد خشي أقوى قادة البلد العسكريين أن يكون الأسد على وشك الموت، و فزعوا من التغييرات المحتملة التي قد تنجم عن غيابه، فاتجهوا إلى رفعت بحثاً عن قيادة (4)، ربما لأنهم رأوا أنه أفضل من يحمي نظاماً انتعشوا فيه طيلة عقد من الزمن أو يزيد. و باعتبار أنه شقيق الأسد، فقد كان رمزاً للاستمرارية، ثم أنه كان يقود أقوى قوة ضاربة، أي أنه كان دعامة النظام. فقد انتصر في الحرب ضد الأخوان المسلمين، أكبر خطر داخلي كانوا قد واجهوه جميعاً. و قبل كل شيئ كان أبرز أقطاب الدولة، و لذلك يمكن الاعتماد عليه في ترك المناصب و (الاقطاعيات) الأخرى سليمة لأصحابها، مثل أجهزة المخابرات، و الفرق المدرعة، و مشاريع الدولة، و أطقم الصواريخ، و ما شاكل. و كان آخر شيئ يرغب كبار الضباط في رؤيته هو انتقال الخلافة إلى لجنة الستة من موظفي الحكومة و الحزب التي عينها الأسد. فقد كانوا يرون أن أعضاء هذه اللجنة ليسوا أكثر من موظفين تنفيذيين موهوبين، و رجال واجهة، و ليسوا (الأساطين) و (الدعائم المثبة) للنظام كما كان القادة الميدانيون و قادة المخابرات يرون أنفسهم. و عندما ذعروا من الفراغ الذي وجدوا أنفسهم مهددين في مواجهته، فإنهم أي (الجنرالات)، قلبوا ترتيبات الأسد رأساً على عقب.
و بناءً على تحريضهم، قام الشهابي و خدام بزيارة رفعت في منزله في المزة ليخبروه بأن رجلاً في مثل أهميته لا يمكن إبعاده في مثل تلك اللحظات المتأزمة عن الهيئات أو المجالس الحاكمة للبلاد. و قال رفعت إنه يجب أن يمتثل لرغبات الرئيس، و لكنه سرعان ما اقتنع. ثم عقد اجتماع كامل للقيادة القطرية، بحضور تسعة عشر عضواً و غياب الأسد نفسه، و وزير إعلامه أحمد اسكندر أحمد الذي كان على فراش الموت بسبب ورم بالمخ. و قررت القيادة أن تجعل من نفسها بديلاً للجنة الأسد السداسية. و كانت هذه طريقة أنيقة متقنة لجلب رفعت إلى مركز الأمور.
و كان نجاح هذه المناورات مرهوناً باستمرار مرض الأسد. و لكن صحته كانت آخذة في التحسن. و عندما علم بما حدث، و هو في فترة النقاهة، شعر بالسخط الشديد. لأن أي انحرف عن الطاعة الكاملة الخالية من أي تساؤل كان يثير شكوكه. فاستدعى كبار ضباطه و وبخهم على الابتعاد عن تنفيذ رغباته الصريحة و بذلك فتحوا الباب لأخطار غير متوقة: أوَلم يروا أن دفع رفعت إلى المقدمة كان خطة أميركية - سعودية لازاحته عن الحكم؟

- ربما يكون من الضروري أن نتوقف هنا قليلاً كي نتعرف على أسباب تشكيل هذه اللجنة. الكاتب يقول أن الغرض من تشكيلها هو تسيير القضايا اليومية.
و السؤال الذي يطرح نفسه هنا:
ماذا كان يفعل أعضاء هذه اللجنة قبل تشكيلها؟ ألم يكونوا هم أنفسهم معنيين مباشرة بتسيير القضايا اليومية؟
سيقول أحدهم: إن الرئيس كان في وضع صحي حرج و قد شكل اللجنة لإدارة شؤون الحكم و اتخاذ القرارات الملحّة على الصعيد الداخلي حيث أنه لم يكن هناك من يشغل منصب نائب الرئيس بعد.
سنقول نعم، نوافقك على ذلك. و لكن طالما أن هذه اللجنة هي مكلفة بإدارة شؤون الحكم في البلاد، كيف سيتسنى لقرارات هذه اللجنة أن تجد طريقها للنفاذ - في دولة يحكمها العسكر - إذا ما عرفنا أنه يوجد في سوريا قائد عسكري، من خارج هذه اللجنة، يستطيع في أي وقت أن يستخدم نفوذه، ليس لإلغاء قرارات اللجنة فحسب، بل لإلغاء اللجنة نفسها!!؟. و لك عزيزي القارئ أن تضع العربة قبل الحصان و تخبرنا بعدها كيف كانت رحلتك!
الأمر لا علاقة له بأن نقول: "إن الرئيس أستبعد العميد رفعت من اللجنة لأنه أخيه و لا يريد أن تُؤخذ هذه عليه" فالأمر مختلف تماماً، لأن العميد رفعت الأسد لم يكن الرجل الأقوى بالبلد لأنه شقيق الرئيس، بل اكتسب قوته بعمله و جهده و عرقه، و هو الذي أمّن استقرار النظام و استمراره، و هذا أمر واقع لا يمكن تهميشه أو إغفاله بحال من الأحوال. و حتى إذا استثنينا العميد رفعت، فما الذي يمكن لهذه الجنة أن تفعله في حال اتفق قادة آخرين، كقائد الوحدات الخاصة و قائد المخابرات الجوية و رئيس المخابرات العسكرية، على إجهاض قراراتها؟
إذاً دعونا نقرر أن اللجنة لم تكن تملك القرار، و أن نجاح عملها كان - عملياً - مرهون بمشئية القادة العسكريين و بالتحديد العميد رفعت الأسد. مما ينفي القول أن هذه اللجنة كانت ستمثل أي صمام أمان لمستقبل سوريا في حال حدث مكروه للرئيس. و هذا الأمر بالتأكيد لن يفوت الرئيس حافظ الأسد. فهل أخطأ الرئيس؟
إن الأحتمال الوحيد هنا، الذي ينفي وقوع الرئيس الأسد بخطأ كهذا، هو أن نقول أن الرئيس كان مطمئناً على وضعه الصحي و كان يعلم أنه سيتمائل للشفاء قريباً. مما يؤكد أن هذه اللجنة لم تكن سوى إجراء قد قام الرئيس به لغاية لم يعلمها حينها إلا الله عز و جل و الرئيس.
على كل حال، الكثيرين منا لا يستطيون التكهن، على الأقل الآن، بالأسباب التي دعت الرئيس الأسد لتشكيل لجنة كهذه. أما العارفين بخبايا الأمور، و البعض ممن لديهم هواية حل الألغاز فإنهم سيسارعون للربط بين وهمية هذه اللجنة و بين عملية استبعاد العميد رفعت الأسد عنها.
في الثاني عشر من تشرين الأول / نوفمبر عام 1983، و بعد أن أشتغل الأسد في مكتبه في الطابق الثاني بمنزله، شعر بأنه ليس على مايرام. فصعد إلى الطابق العلوي و أوى إلى فراشه، و لكنه لم ينم جيداً. و في الصباح اتصل بطبيبه هاتفياً. و بعدما فحصه الطبيب استدعى طبيباً آخر لإبداء رأي ثان. فنصحاه بالمعالجة الفورية لشكهما في أن العلة في القلب (1).
و نقل الأسد إلى مستشفى الشامي بدمشق حيث وضع تحت العناية المشددة. و رغم أن المختصين قد اكتشفوا بعض الاضطراب في نبضات قلبه،
كان يشكو من السكري منذ زمن طويل، و مما جعله يتفاقم هو حبه للحلويات. و مان في شبابه يشكو صداعاً و توتراً في العين. غير أن هذه الشكايات كانت أشياء قد تعود على التعايش معها. و الحقيقة أن الطيار الذي كان سليماً ذات يوم قد أضرت بصحته أعوامٌ من الوجبات غير المنتظمة، و نقص في الهواء الطلق و التريض، و عمل دؤوب لا يهدأ و لايستكين. و نجم عن حياة الجلوس توسع في أورته أصابه بالدوالي، و قد أجريت له عملية. و لذا خشي الأطباء أن يحدث التهاب في الأوردة. غير أن السبب الحقيقي لانهياره كان هو الإرهاق. لقد كان الأسد ببساطة متعباً للغاية. و فجأة ابتعد عن المسرح الرجل الذي ظل حاكماً سوريا طيلة ثلاثة عشر عاماً.
و نصحه الأطباء بالراحة التامة، و أعطوه مسكنات قوية ليفرضوها عليه. و شعر الأسد، الذي نادراً ما تناول أية أقراص منومة، بدوار جعله غير مستقر. و أدى هذا العجز، مضافاً إلى إغلاق أطبائه الباب حتى في وجه ذوي أعلى المناصب في نظامه، إلى أقصى درجات القلق و إثارة المخاوف. و أصيب المقربون منه بالذعر لأنهم أصبحوا بلا قائد، فراحوا يحاولون كسب الوقت فأعلنوا للناس بطريقة ضعيفة غير مقنعة أن الرئيس يعالج من التهاب الزائدة الدودية. ذلك أن الهيكل الذي كان قد بناه، و الذي كان يعتمد عليه كلياً، قد تعرض لخطر الأنهيار.
و قد أنهار الأسد في أوج المعمعة متعددة الأطراف في لبنان. فقبل ذلك بأقل من ثلاثة أسابيع كان جنود البحر الأمريكيون قد قتلوا بالجملة، و بدا أن الانتقام من سوريا لن يتأخر كثيراً لأنها اعتبرت شريكاً في ذلك الهجوم. و كانت الطائرات الأميركية تحلق فوق المواقع السورية في جبال لبنان. و كان الأسطول الأميركي الضخم، بما فيه حاملة الطائرات الهائلة "نيوجرسي"، قد استخدم مدافعه ضد حلفاء الأسد في محاولة لتحديه بالتحديق فيه وجهاً لوجه. و عندما شرع الأسد يشدد الضغط على أمين الجميل لإرغامه على إلغاء الأتفاق، بدت الحرب الساخنة مع الولايات المتحدة شيئاً وارداً، بل و محتملاً جداً. و في ذلك الوقت بالذات و قع يوري اندروبوف، الزعيم السوفياتي الذي أعطى للأسد أسلحة و ضمانات على نطاق لم يسبق له مثيل، فريسة مرض ميؤوس من شفائه.
و في 11 / تشرين الثاني - نوفمبر، عاد وزير الخارجية خدام من موسكو بعد أن توقف فيها ليلة واحدة و معه الخبر الكئيب بأن اندروبوف على فراش الموت و أن الكرملين ليس في وضع يسمح له باتخاذ قرارات جريئة أو عاجلة. و هكذا تعرض للتهديد موقف الأسد الرادع ضد إسرائيل. و لا شك في أن قلقه على اندروبوف قد أسهم في عدم صموده أمام المرض هو الآخر (2).
و لم تكن أميركا هي العدو الوحيد الذي تصارعه سوريا في ذلك الوقت. فإسرئيل كانت تشدد غاراتعا الانتقامية على البقاع و على طول طريق بيروت-دمشق عقب نسف مقر قيادة المخابرات الإسرائيلية في صور في أوائل تشرين الثاني / نوفمبر حيث قتل تسعة و عشرون شخصاً.
و أدان الرئيس الفرنسي ميتران التدخل السوري في لبنان و أكد أنه سينتقم لحادث نسف مقر الوحدة الفرنسية بسيارة مفخخة، و الذي وقع في نفس يوم الهجوم على جنود البحرية الأميركيين.
و في طرابلس كان صدام الإرادات البالغ العنف و الشراسة بين عرفات و منشقي فتح الذين تدعمهم سوريا قد وصل إلى ذروته. و كان المنشقون قد اجتاحوا مخيم النهر البارد، معقل عرفات، حيث سقط ضحايا بالمئات. و لتشديد الحصار أشعلت المدفعية السورية النار في مصافي النفط و المرفأ فسببت أضراراً تقدر بعشرات الملايين من الدولارات. و بحصر عرفات في مخبئه بطرابلس تعرضت دمشق لضغط عربي شديد لوقف هذا القتال المخجل بين العرب. غير أن الأسد كانت لديه كراهية لا تعرف الصفح ضد زعيم المنظمة، و كان مصمماً على قذفه في البحر.
و في لبنان ككل، كان النظام الإسرائيلي قد تم دحره، و لكن النظام السوري لم يكن قد فرض هناك بحال من الأحوال. و قد اجتمعت في جنيف حفنة من الشخصيات اللبنانية القيادية، موارنة، و سنّة، و شيعة، و دروز في "مؤتمر للوفاق الوطني" من 31/10 إلى 8/11/1983 في محاولة يائسة لتجميع شمل بلدهم الممزق مرة أخرى. و كان الجميع قد اعترفوا بأن سوريا هي سيدة الحلبة، و قرروا مراعاة لها أن يعيدوا التأكيد على هوية لبنان العربية و أن يجعلوا إنسحاب إسرائيل من الأولويات الوطنية. و لكن - كما قال خدام للأسد عند عودته من جنيف - كان ديفيد كيمحي (الذي تسميه إسرائيل: المستر لبنان) يترصد خلف الكواليس و في الأروقة، و كانت القوات اللبنانية، عميلة إسرائيل، قد رفضت قرارات المؤتمر. و في تلك الأثناء كانت بيروت على أرض الواقع تحتوي كل شيئ و أي شيئ ما عدا الوفاق و الإنسجام: فقد استمرت بلا هوادة عمليات الخطف، و المناوشة، و القصف بين شطري بيروت، بين الموارنة و الدروز، و بين الرئيس الجميل و أعدائه. و مع ذلك فقد كانت سوريا تكسب بلا شك. و كان من المتوقع وصول الجميل نفسه إلى دمشق في 14 / تشرين الثاني - نوفمبر للإعتراف علناً بأن الإتفاق الذي وقعه مع إسرائيل في 17 / أيار - مايو بات لاغياً و باطلاً.
و قد وقع الأسد فريسة المرض في هذه اللحظة، عشية انتصاره الذي قاتل من أجله بقوة. و هكذا بقي كل شيئ بالميزان. و اضطر خدام و هو مهموم و متكدر إلى الاتصال هاتفياً بالجميل طالباً منه تأجيل رحلته بسبب التهاب "الزائدة الدودية" للرئيس السوري. و لكن هذا العذر لم يصمد طويلاً، إذ سرعان ما نبشت الصحف الأجنبية كون زائدة الأسد قد أزيلت قبل ذلك بعشرين عاماً.
و أمضى الأسد أكثر من أسبوعين في المشفى قبل أن ينتقل إلى فيللا خاصة في الغوطة - حزام دمشق الأخضر - لقضاء فترة شهر للنقاهة.
ورغم أن الأطباء لم يستطيعوا تشخيص أي مرض محدد لديه، فقل ظل يشعر بضعف شديد. و نظراً لأن وقت انهياره قد صادف أوج النضال ضد إسرائيل و الولايات المتحدة فقد ثارت لدى المسؤولين عن سلانته شكوك في أنه ربما سقط ضحية هجوم غادر خفيّ.
و هكذا تم خلال فترة نقاهته في الريف تغيير جميع طاقمه الشخصي، من طباخين و خدم و ممرضات، بل لقد تم تغيير أثاث المنزل و الأشياء المتواجدة حول الأسد. و كان من المحتوم أن تظل صحته موضوعاً لكثير من الأقاويل و الشائعات. فقد أشيع مثلاً أنه أصيب بشلل نصفي و بأنه تلقى رصاصة في صدره على يد قاتل حاول اغتياله. و أدت السرية المعتادة في سوريا إلى تغذية الإشاعات. غير أن بقاء الأسد بعيداً عن الأنظار جعله يراقب الأصداء و التموجات و يثير البلبلة في صفوف خصومه. و في الوقت المناسب، و لتهدئة الرأي العام المحلي عرض التلفزيون العربي السوري فيلماً عن الأسد في أحد الإجتماعات في 27 / تشرين الثاني - نوفمبر، و بعد ثلاثة أيام عُرضت قصاصة فيلم آخر ظهر فيه الأسد و هو يفتتح جسراً جديداً في دمشق.
الخوف من مؤامرة أميركية
و أدت هذه اللقطات التي حاولت الإيحاء بأن كل شيئ مستمر على مايرام إلى اسدال حجاب ليس على صحة الأسد التي كانت لا تزال غير مستقرة فحسب، بل و على الدمدمات الأولى لصراع داخلي على السلطة (3).
و لم يُصعق أحد بمرض الأسد كما صُعق أخوه رفعت، السيد الحامي للديار الذي بدا - بعدما أمضى في المشفى ثلاثة ليال بلا نوم - مرهقاً أكثر من أخيه نفسه.
و من سريره أرسل الأسد تعليماته بتشكيل لجنة من ستة أشخاص عهد إليها بتسيير القضايا اليومية، و قد شملت كلاً من خدام (وزير الخارجية) و الأحمر (الأمين العام المساعد للقيادة القومية للحزب) و طلاس (وزير الدفاع) و الشهابي (رئيس الأركان)، و الكسم (رئيس الوزراء) و مشارقة (الأمين المساعد للقيادة القطرية). و لكن رفعت، الذي كان أقدم من بعضهم، و أقوى من أي منهم، لم يكن من بين أعضاء اللجنة المذكورة التي كلف الكسم برئاستها رغم امتعاض بعض أعضائها.
حرب الأخوين
ولكن كيف توصل الأسد إلى هذا الاستنتاج المفاجيء المذهل؟
في تلك الأسابيع القلقة العصيبة كان الهمّ الأكبر هو الحرب من أجل لبنان. وبينما كان الأسد قيد المعالجة أهمل متابعة القضايا المحلية، ولكنه أصر علي متابعة الأزمة اللبنانية بالهاتف ساعة بعد ساعة. وقد لاحظ أن إسحق شامير قد عاد من زيارة لواشنطن في أواخر تشرين الثاني/نوفمبر 1983 ويده مليئة باتفاقيات تؤذن-حسب كلمات شامير نفسه- (ببدء مرحلة جديدة من العلاقات الإسرائيلية-الأميركية). فقد تم الاتفاق على اجراء مناورات مشتركة أميركية - إسرائيلية، وعلى تخزين معدات اميركية في إسرائيل، وعلى رفع الحظر عن تصدير القنابل العنقودية، وزيادة المعونة العسكرية. وبدا كأنما كان ريغان وشولتز يرغبان في تعويض إسرائيل عن الاتفاق الذي أجهض. وفي الوقت نفسه أصبحت الاتهامات الأميركية لسوريا (ولاسيما على لسان كاسبر واينبرغر) أكثر صراحة في الزعم بأن سوريا قد لعبت دوراً في مذبحة جنود البحرية الأميركيين. وعندما أسقط المدفعيون السوريون طائرتين اميركيتين في4 / كانون الأول- ديسمبر 1983 وتم أسر طيار أميركي، كان الأسد متأكداً أن الولايات المتحدة ستسعي لمعاقبته.
الأخ الأصغر
احتفظت العلاقة بين الأسد وأخيه رفعت بشيء من النمط الذي كان قائما في طفولتهما عندما كان الأخ الأكبر- عبر فجوة السنوات السبع التي تفصل بين عمريهما - يرغم أخاه المتمرد الأصغر على احترامه. وكان في رفعت شبه بأخيه يلفت النظر، فله نفس البنية الثقيلة، ونفس التعبير الملغز الذي لا يخلو أحياناً من الدعابة، غير أن شخصيتهما كانتا مختلفتين. فقد كان الأسد جاداً أو متروياً، أما رفعت فكان ميالاً للمتع ومندفعاً، ومع ذلك فله ذكاء لماح. وكان يضحك أكثر من أخيه بكثير وكان حسب تقاليد شيوخ العرب كريماً إلى حد الافراط. وبينما كان الأسد الملتصق بكرسيه مشغولاً استغرقته شؤون الدولة كلياً، ولا سيما الشئون الخارجية، انهمك رفعت في بناء وتنظيم أتباع مخلصين له في سرايا الدفاع وفي البلد. وكان يمارس سلطات مطلقة، وقد أثرى هو و أصدقاؤه الحميمون، كما كان يذهب في مهمات سرية إلى الأصدقاء والأعداء على السواء، ويشترك في مشاريع أخرى يحيط بها الظلام والضباب في عالم السياسة والتجارة في البلاد العربية.
وعلى عكس كثير من الإمَّعات في بطانة الأسد، كان رفعت يستطيع الادعاء بحق بأنه شاطر أخاه السلطة. وخلال إنشقاق الحزب في عام 1966 كانت قوة الأمن التي يترأسها رفعت هي التي قبضت علي أمين الحافظ ومحمد عمران. وفي عام 1969 دَحَرَ مديرَ مخابراتِ صلاح جديد، عبدَ الكريم الجندي. فمهد بذلك الطريق لاستيلاء الأسد على السلطة و قد ساعد على سحق التمرد الاسلامي مابين 1980 و 1982، وربما أنقذ بذلك نظام حكم أخيه.
كانت هذه هي مؤهلاته وأوراق اعتماده. غير أنه بعد أن انتصر علي اولئك الأعداء الكثيرين شرع يملي قوانينه وتعليماته الخاصة به. وكانت له ذراع طويلة تمتد إلى مصالح في كثير من أنحاء البلد، وعبر الجبال إلي لبنان. وأصبحت سراياه جيشاً خاصاً سريع الحركة قوامه خمسة وخمسون ألف رجل. وله دروعه الخاصة به، وكذلك مدفعيته، ودفاعه الجوي، وأسطوله من المروحيات الناقلة للجنود. وبذلك كانت سرايا الدفاع ندّاً لأية وحدة سورية. وأثارت رواتب رجالها وامتيازاتهم حَسَدَ بقية الجيش.
وكان رفعت يشارك صديقه وراعيه الأمير السعودي عبد الله في تذوقه لمتع الصيد، والنساء، ولعب دور الزعيم الكبير. وكانت زيارات الأمير عبد الله لدمشق مناسبات تقام فيها حفلات تستغرق الليل بطوله وتلعب فيها دور النجمة راقصة هز البطن الأميركية تامارا في أوائل عام1984. ولعل تأثير الأمير عبد الله جعله يفكر في سلالة العائلة، فتزوج أربع نساء، وأنجب سبعة عشر ولداً. وكان يغرس الولاء له والإعجاب به في نفوس أتباعه. أما في خارج دائرته المسحورة المبهورة به فقد كان يثير الغضب والخوف على نطاق واسع. وكان ذوقه في (تحديث) البلاد يثير أحياناً مشاعر خطيرة من الغضب والمهانة، كما حدث في عام 1983 عندما راحت المظليات التابعات له يخلعن المناديل عن وجوه النساء ورؤوسهن في الشوارع مما أرغم الأسد على استنكار هذا التطرف والتبرؤ منه علناً.
وغالباً ما كان الأسد يستخدم رفعت. ولكن بما أنه لم يكن لديه كبير ثقة في حسن تقديره فمن غير المحتمل أن يكون قد فكر فيه كخلف له. كرس الأسد حياته للدفاع عن خط سياسي معين يتعلق بكيفية إدارة الصراع مع إسرائيل. ولم يكن ليثق بترك هذا الإرث وديعة بين يدي أخيه. وكان يكره طريقة حياة أخيه الباذخة (وكذلك كانت تكرهها زوجة الأسد، المتحفظة، والمؤثرة) ويكره نقطة الضعف فيه تجاه أميركا، حيث كان رفعت قد اشترى بيتاً بمليون دولار، وكان لا يثق بكثير من اصدقاء رفعت الأجانب، بما في ذلك صداقاته مع ياسر عرفات ومع الحسن ملك المغرب، الذي كانت اتصالاته السرية بإسرائيل قد زكمت فضائحها الأنوف.
والخلاصة أن الأسد، في اعتقاده بأنه مهدد من قبل أعدائه الغربيين، ومن قبل إسرائيل والدول العربية المعتدلة، بدأ يري في رفعت شرخاً في درعه. فالأخ الذي كان ذات مرة مفيداً، ثم ضرورياً، ثم مصدر حرج، قد أصبح الآن خطراً.
ومن الإنصاف القول بأن من غير المحتمل أن يكون رفعت قد تطلع جدياً للحكم مكان أخيه، ومن الناحية النفسية فإنه كان يتوق بدلاً من ذلك إلى اعتراف أخيه بأهميته، وهذا شيء كان يشعر بأن الأسد قد أنكره عليه منذ أيام طفولته.
وكان رفعت يرغب طبعاً في أن يعيش حياة الثراء والوفرة الباذخة بدون عقبة أو عائق، كما يليق بأحد أعضاء أسرة حاكمة. ولكنه أساساً كان يريد أن يقبله الأسد كشريك ويطلق يده في التصرف على الجبهة الداخلية. ولكن عندما مرض الأسد في تشرين الثاني / نوفمبر، وتجمع كبار الضباط والقيادة الحزبية خلف رفعت، أساء الأخير فهم هذه الإشارة واعتبرها تعني ولاءً له والتزاماً كلياً بقيادته. وبما أنه كان ميالاً للتزعم والسيادة بطبيعته فقد بدأ يتصرف بكل التوكيد والإصرار على إثبات زعامته كوريث شرعي. فبدأ يضغط من أجل إستقالة رئيس الوزراء وتشكيل حكومة جديدة. وفجأة ظهرت في كل مكان من العاصمة صور تظهره في أوضاع قيادية آمرة وقد ارتدي زيّ المظليين.
ولكنه سرعان ما أفاق من هذا الوهم. فلم يكد الأسد يظهر علامات الشفاء من مرضه حتى تلاشى التأييد الذي كان قد تجمع حول رفعت. فالجنرالات، الذين كانو في توجهاتهم رهن إشارة الأسد، توقفوا عن الاعتقاد بأن رفعت قادر على حماية مصالحهم، وشرعوا يرون فيه بدلاً من ذلك تهديداً للبلد ولأنفسهم. وإذْ شكّوا في أنه كان يخطط فعلاً ليحل محل أخيه ويتسلم السلطة، فقد بدأوا يضعون في طريقه العراقيل.
وكان عليهم أن يقوموا بذلك سراً وبتحفظ لأن رفعت كان لديه جيش حقيقي. فألويته الأربعة المتفوقة المنتقاة (ثلاثة ألوية مدرعة، و لواء مؤلل) كانت كلها على بعد خمسة أميال فقط من دمشق، تسيطر على مشارفها بالدبابات والمدفعية، بينما كانت قوات الجنرالات الآخرين بعيدة عن ذلك في الخارج. فلم يكن التحدي المباشر وارداً أو ممكناً. ولعله كان هناك سب آخر للحذر، لأن الجنرالات لم يكونوا متأكدين من مدى عمق واستمرار المرارة بين الأسد ورفعت: أكان هذا شجاراً عائلياً سوف يتلاشى، ويترك أي شخص ينحاز إلي أي من الجانبين مكشوفاً؟؟ وهل كان القائد يمتحن ولاء ضباطه؟

الهوامش
(1) مقابلة مع الرئيس الأسد في دمشق في 18/3/1984
(2) مقابلة مع العماد مصطفى طلاس في دمشق في 14/5/1984
(3) باستثناء المصادر المنصوص عليها في مكانها، فإن الرواية التالية للأحداث تقوم على أساس شهادة الذين أشتركوا في الأزمة و كذلك ذكريات مراقبين دبلوماسيين يرغبون في أن يظلوا مجهولين.
(4) مقابلة مع محمد حيدر، النائب السابق لرئيس الوزراء للشؤون الإقتصادية في دمشق في 16/4/1984


أما عملية الضغط من أجل تشكيل حكومة جديدة فقد قام العميد رفعت بهذا لأن الحكومة وقتها كانت فاسدة فعلاً و لأنه كان تواقاً لتحسين وضع البلد و رفع مستوى معيشة الشعب.
و لقد كان هذا الإجراء مؤلماً جداً لبعض القياديين العسكريين و السياسيين الفاسدين، فقد كان لكل قيادي منهم وزيراً أو وزيرين في الحكومة يعتاش على ما يمكن أنه يمرره من قرارات مدفوعة الثمن في وزاراتهم، و لا أعتقد أننا نفشي سراً هنا.
و الحقيقية هي أن العميد رفعت، الذي لم يكن ليمهل الفاسدين، حتى و إن قدموا له الولاء المطلق، قد رأى فيه المسؤولين الفاسدين خطراً حقيقياً عليهم. و هذا بالضبط ما يفسر عملية أنقلاب هؤلاء عليه بعد شفاء الرئيس.
و لو أن هؤلاء المسؤولين قد رأوا في رفعت الأسد استمراراً لهم - كما عزا الكاتب أسباب ألتفافهم حوله - لما هاجمه واحد منهم على الإطلاق، لا قبل شفاء الرئيس و لا بعد شفاء الرئيس. إذ و الحال هذه لن يختلف الوضع عليهم، إن كان الحاكم هو حافظ الأسد أو رفعت الأسد.
و لا أعتقد أن أعزاءنا القراء من السذاجة لأن يصدقوا أنهم أنقلبوا على العميد رفعت لأنهم شكًوا بأنه خطط للإنقلاب على الرئيس، فهم لم يضربهم أحد على أيديهم ليأتوا و يقدموا الطاعة للعميد رفعت. أو أنهم أنقلبوا لأنهم رأوا فيه خطراً على البلد، فالكل يعلم أن آخر همَّ هؤلاء هو مصلحة البلد. بل هم كانوا و ما زالوا الخطر الحقيقي على البلد. و إلا لماذا كُتب على السوريون أن يتعايشوا مع الفقر في بلد مليئة بالخيرات، كل هذه العقود، لو لم يكن 90% من مسؤولي بلدهم لصوص؟؟
إن هؤلاء المسؤولين الذين انقلبوا على العميد رفعت هم أنفسهم الذين أُطلقت أيديهم على قوت الشعب بعد رحيله، فاحتكروا الزيت و السمنة و الدقيق و الأرز و المناديل الورقية و الكثير من المواد الغذائية و الإستهلاكية. و كلنا نذكر كيف أنهارت الليرة السورية و ازداد الناس فقراً بعد رحيل العميد رفعت عنها.
إننا نؤكد بالأدلة المنطقية التي لا يراودها الشك، أن هؤلاء المسؤولين، الذين أختبروا قيادة العميد رفعت لأسابيع، أرادوا ضمان المستقبل قبل الحاضر، و لم يكن من سبيل لهذا الضمان إلا إذا غاب العميد رفعت عن الساحة السورية. فبدأوا بوضع العراقيل في طريقه سراً و بتحفظ.
و لو كانوا حريصون على الرئيس أو على البلد كما يدعون، لهاجموا العميد رفعت قبل شفاء الرئيس. و أيضاً لو لم يكونوا جبناء فاسدون حقيرون، لواجهوه علناً و بدون تحفظات، أليست مصلحة الوطن هي العليا!!؟.
أما العميد رفعت، الذي كان قادراً بأقل من نصف ساعة على استلام الحكم في سوريا، فقد أمر سرايا الدفاع بالإحتفال و بإطلاق النار في السماء ابتهاجاً بشفاء الرئيس، فهل نردد ما قاله المنافقون من أنه أراد الإستيلاء على منصب الرئيس!!
و تعقيباً على آخر فقرة، هل يُعقل أن الرئيس لم يجد إلا طريقة تشكيل اللجنة - التي كادت أن تُشعل حرباً داخلية - ليمتحن ولاء ضباطه!!؟
عموماً، لقد تعرضت تجربة دورات المظليين و ألتحاق الفتيات السوريات بالعمل العسكري إلى هجمات معادية من جهات عديدة ذلك أن هذا السبق في إعداد و تأهيل و تحصين الشباب السوري أخذ يدق ناقوس الخطر عند أعداء سوريا و قد كان قائد سرايا الدفاع يتابع هذه الهجمات و ينبه إلى مخاطر الإنزلاق اللامقصود وراء الفكر المعادي. سيادته هنا يستعرض واحدة من تلك الهجمات و يشيد بفارسات الوطن و يباهي بهن:
- يقول الكاتب لنا أن كبار الضباط و القيادة الحزبية قد تجمعوا حول العميد رفعت عندما مرض الرئيس، و من ناحية ثانية يقول لنا أن العميد رفعت قد أساء فهم هذه الإشارة واعتبرها تعني ولاءً له والتزاماً كلياً بقيادته!!
دعونا نطرح على أنفسنا سؤال بسيط: ما الذي ينتظره المرؤوسين عادة من قائدٍ قد ألتفوا حوله بإرادتهم، أليس القيادة؟
و أيضاً يقول "من الإنصاف القول بأن من غير المحتمل أن يكون رفعت قد تطلع جدياً للحكم مكان أخيه" و بعد ذلك نراه يردد كلام من وصفهم بالإمَّعات و يقول أن العميد رفعت "قد بدأ يتصرف بكل التوكيد والإصرار على إثبات زعامته كوريث شرعي".
ما الذي يريده باتريك سيل من جمع هذين النقيضين على صفحة واحدة، و هل من المنطق أن نقول: إن فلان من الناس بريئ إنصافاً إلا أن تصرفاته تثبت العكس!!؟؟
الحقيقية هي أن باتريك سيل أراد أن يوصل للقارئ وجهة نظره، التي بناها على أدلة إثبات لا تقبل الشك و لا الطعن، و التي تنفي عن العميد رفعت تهمة التعدي على منصب الرئيس. و في الوقت نفسه لا يُمكنه ككاتب محايد إلا أن يُوصل للقارئ أيضاً ما سمعه من بعض الفاسدين من رجالات الحكم.
فالكاتب يرى أن العميد رفعت الذي مهَّدَ الطريق لأخيه للإستيلاء على السلطة، و ساعد على سحق التمرد الاسلامي مابين 1980 و 1982، و سهر الليالي بالقرب من سرير أخيه المريض، لا يمكن أن يستغل فترة المرض هذه للإنقلاب على الرئيس.
بالإضافة إلى أن استطراد الكاتب بتفصيل قدرات العميد رفعت العسكرية لم يكن إلّا رسالة للقارئ مفادها أن العميد رفعت، لو أراد الإنقلاب على الرئيس فعلاً، فإنه لن يهدر الوقت بتغذية الشائعات قبل الإنقضاض بغتة على منصب الرئيس، سيما و أن جيشه الأقوى على الساحة كان على أتم الإستعداد لتنفيذ أوامره.
أما بالنسبة لأقوال الآخرين فإننا نقول: لا تُأخذ الأمور بظواهرها، فالذي أساء فهم الإشارة ليس العميد رفعت على الإطلاق، بل الذين حكموا على الأمور من خلال ظواهرها هم من أساؤا الفهم. فالكل كان يعلم حدة المخاطر التي واجهتها سوريا في السابق، و عندما مرض الرئيس ازدادت الشائعات حول مرضه، و حصل أن ظهرت بعض بوادر الإنشقاقات في صفوف رجالات الحكم، و حصل أيضاً أن كانت هناك تخمينات باحتمال عودة الإضطرابات الداخلية لسوريا، فكان لابد من توصيل رسالة مفادها أن الحكم لم و لن يهتز لمرض الرئيس و أن القيادة مستمرة.
و على هذا، و إن كان السوريون قد ألفوا وجود صور العميد رفعت في أماكن شتى من أنحاء سوريا قبل مرض الرئيس بسنوات، و أيضاَ و إن كنا نعتقد بوجوب زيادة عدد هذه الصور عندما مرض الرئيس، إلا أننا نؤكد للسادة القراء أن الذين قاموا بنشر الصور هم ضباط من القصر الجمهوري و شعبة المخابرات العسكرية. و هم قاموا فعلاً بتمزيق صور الرئيس و إلصاق صور العميد رفعت بجانب الصور الممزقة ليقولوا للرئيس لقد قام جيش العميد رفعت بتمزيق صور سيادتك و رفع صور قائدهم بدلاً منها. و ذلك بسبب الحسد و الحقد الشديد الذي يكنوه لسرايا الدفاع و قائدها، و قد أشار الكاتب لذلك. و للأسف فقد أنطلت هذه اللعبة على أولاد الرئيس حافظ الأسد و نزلت أبنة الرئيس السيدة بشرى الأسد إلى الشارع و أخذت تُمزق صور عمها العميد رفعت التي كانت منشورة في شارع يقع ضمن نطاق إحدى دوريات سرايا الدفاع، فقام عناصر الدورية باعتراض عملها هذا و مصادرة أسلحة مرافقتها.
نأتي لما ذكره الكاتب عما حدث في عام 1983 عندما راحت المظليات يخلعن المناديل عن وجوه النساء - كما يقول الكاتب - لنؤكد أن هذا الأمر لم يتم كما يرويه باتريك سيل أو كما أذاعه الخبثاء الحاقدون على سرايا الدفاع. فبالإضافة إلى أن السوريات هم أمهاتنا و اخواتنا فإن ما كان يميز سرايا الدفاع عن غيرها من وحدات الجيش الأخرى هو إنضباط عناصرها الشديد و عدم التصرف بشكل أرتجالي دون أوامر القيادة. و لتوضيح ما ذكره الكاتب نقول: كلنا نعرف ما تعرض له السوريون من هجمات دامية على يدي بعض الحاقدين في ذلك الوقت، و للأسف كان الكثيرين منهم يتنكرون بزي النساء ليتسنى لهم التنقل بحرية دون أن يتعرض لهم أحد. و عندما أكتشفت قوات أمن سرايا الدفاع هذا الأمر قامت بتزويد كل دورية من دورياتها بفارستين من فارسات قوات أمن السرايا و ذلك كي يقمن بإجراءات التفتيش الأمني للنساء المحجبات و غير المحجبات إحتراماً من قيادة أمن قوات السرايا للأخوات و الأمهات السوريات و قد لاقى هذا الأسلوب الحضاري الكثير من الترحيب من قبل أمهاتنا و أخواتنا السوريات فلماذا نتلقف الأخبار المسيئة و لا نذكر الآثار الإيجابية؟ و هذا الأمر - أي أن تقوم النساء بتفتيش النساء - هو أمر عادي جداً و إينما ذهب المسافر عبر العالم فإنه سيجد أن هذا الإجراء يُنفذ في كل مطارات العالم و في كل الأماكن التي تتطلب إجراءات أمنية مكثفة. و قد كانت دمشق بأمسِّ الحاجة للإجراءات الأمنية المشددة. و نحن كفرسان سرايا الدفاع نؤكد أننا لم نتلقى أي أمر من نوع (أخلعوا حجاب النساء في الشارع) و لم نسمع أن أمراً كهذا صدر لأي من فارسات سرايا الدفاع. ربما يكون قد حدث أن قامت إحدى السيدات برفض إجراءات التفتيش فقامت إحدى الفارسات بإجبارها على ذلك، و قصة كهذه إذا حدثت (رغم كونها عادية) فإنها تسري في المجتمع السوري المحافظ كما تسري النار في الهشيم خاصة و أن فكرة أن تلتحق الفتيات للعمل في الجيش و الأمن كانت فكرة جديدة علينا في ذلك الوقت و كان جميعنا يراقبها بكثير من الفضول.
الآن و بعد مرور 25 عاماً، انظروا إلى العراق و كيف يقوم الرجال بتفتيش النساء، ألم يكن لسرايا الدفاع السبق بالتصرف بالشكل الحضاري مع أمهاتنا و أخواتنا في سوريا؟