


وكان من المؤشرات المبكرة على جدّية الأسد قيامه بتأديب واحد آخر من إخوته، وهو جميل، الذي كان معروفاً بأنه قريب من رفعت، وكان في السن يتوسط بين حافظ ورفعت. وقد أصبح السيد المطاع في اللاذقية. وكان بليغاً، وطموحاً، وذا ذهن يتركز تفكيره في السياسة. وقد تخرج محامياً ولكنه لم يمارس المحاماة. وباعتباره شقيق الرئيس، فقد انتخب عضواً في مجلس الشعب بفارق كبير في الأصوات بالمقارنة مع مرشحين آخرين. وكان من أدوات قوته جمعية الإمام علي المرتضى التي تأسست عان 1981، كتجمع سياسي خلف واجهة دينية. ورغم أنها لم تكن حركة متينة التركيب إلا أن جميلاً ربما قصد بها أن تكون منافسة لحزب البعث المحلي، ولا شك أنها قد أمدته بشبكة تحت رعايته امتدت إلي ماهو أبعد من المدينة. فكانت عشرات الباصات تنقل مؤيديه إلي اللاذقية من أماكن تصل في بعدها إلى الجزيرة، فكانت تلك الحافلات تصطف أمام بيته الكبير وحديقته التي كان يحتفظ فيها باصطبل للخيول العربية الجميلة التي كانت أساساً هدايا من شيوخ القبائل. فكان ينحر الخراف لضيوفه ويلقي كلمات وخطباً رنانة. وفي منتصف كانون الأول / ديسمبر 1983 وعندما شفي الأسد من مرضه أغلقت جمعية المرتضي بأوامر من دمشق وكان ذلك مؤشراً على أن الرئيس كان حاكماً في عائلته.
إحتواء رفعت
وقعت مهمة إحتواء رفعت على عاتق الجنرالات. وكان معظمهم من عوائل علوية فلاحية، وقد وضعهم الأسد - وأبقاهم سنوات - في مواقع ذات نفوذ شخصي كبير. وكان الأسد يحب الاستمرارية وكان من عادته أن يبقي الرجل في المنصب مادام راضياً عن أدائه. وفي قضايا الأمن والمخابرات، التي هي الجانب الخفي من النظام كان أكثر أتباعه تمتعاً بثقته هم علي دوبا مدير المخابرات العسكرية، ومحمد الخولي، مدير مخابرات القوة الجوية، وفؤاد عبسي مدير المخابرات العامة المدني الذي كان نائبه القوي المسئول عن الأمن هو محمد ناصيف. ورغم تسميات مناصبهم فإنه لم تكن هناك حدود واضحة بين هذه الأجهزة فقد كانت ثلاثتها مسؤولة أمام الأسد مباشرة.
كان علي دوبا رجلاً طويلاً فاتح اللون من قرية قرفيص يشارك الأسد في مزاجه الدعابي الساخر، وعزوفه عن الاختلاط الاجتماعي وحبه للأدب، وتكتمه المتحفظ، ومزيج القسوة والعاطفة في طبعه.
وكان محمد الخولي أكثر حباً للمسرات من علي دوبا، وأكثر ظهورأ في المجتمع، بينما كان محمد ناصيف متكتماً أكثر من الجميع إلي درجة أنه كان يعيش في مكتبه، وكان واحدأ من القليلين جداً من الناس المسموح لهم بالمبادرة إلي التحدث مع الرئيس الأسد هاتفياً في أي وقت. فبالإضافة إلي ترؤسه لما كان في واقع الأمر بوليساً سياسياً، كان واحداً من أهم مستشاري الأسد في شؤون الشيعة سواء في لبنان أو في إيران. وكان مقرباً من موسى الصدر والقادة الثوريين الإيرانيين مثل قطب زاده، والطباطبائي. وكان غالباً مايسافر من دمشق إلي بون وسويسرا اللتين كانتا قطبي الشبكات الإيرانية في الغرب. كان هؤلاء هم الدعائم الخفية الثلاث للنظام يقابلهم الثلاثي الذي يقف إلي جانب الرئيس في العلن والمؤلف من وزير الخارجية خدّام، ووزيرالدفاع طلاس ووزير الإعلام أحمد اسكندر أحمد.
ومن بين الجنرالات الذين تحت إمرتهم وحدات هامة كان المنافس الرئيسي لرفعت هو علي حيدر، قائد القوات الخاصة، وهي تشكيل منتقى من النخبة من قوات المغاوير، تعداد رجاله يتراوح بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألفاً، وقد لعبت هذه القوات، مثل سرايا الدفاع دوراً بارزاً في إخماد التمرد الإسلامي، وقاتلت في عام 1982 ضد إسرائيل في حرب لبنان. وكان حيدر من قرية حلة عارة، وهي من أعلي الأماكن في جبال العلويين، على مسيرة ساعتين على القدمين من الساحل. وكان مثل الأسد قد انضم إلى حزب البعث قبل أن يدخل الكلية الحربية. وكان من بين منافسي رفعت الآخرين عدنان مخلوف، وهو ابن عم زوجة الأسد، وتحت إمرته عشرة آلاف رجل من الحرس الجمهوري... كانوا مسؤولين عن الأمن حول القصر الجمهوري في حيّ المالكي السكني الذي كان يعيش فيه علية القوم. وفي مركز مدينة دمشق ككل.
وكان مخلوف قد خدم في الأصل في سرايا دفاع رفعت، ولكنه بعد مشاجرة أعطي إمرة الحرس الجمهوري بناء على اقتراح من قريبه محمد مخلوف شقيق زوجة الأسد. وكان هناك منافس آخر هو ابن عم الرئيس، عدنان الأسد، الذي كان يرأس قوة أمنية أصغر، هي سرايا الصراع.
وبالإضافة إلى ذلك كان هناك أربعة من الجنرالات العسكريين النظاميين يتمتعون بثقة الأسد هو شفيق فياض وإبراهيم صافي قائدا الفرقتين المدرعتين الثالثة والأولي، وعلي صالح آمر أطقم الصواريخ، وعلي أصلان مدير العمليات ونائب رئيس الأركان. وكان فياض رجلاَ خشناَ من قرية عين العروس، قرب القرداحة، بينما بني صافي نفسه من أصول متواضعة كابن مزارع بالشراكة. أما أصلان فكان يعتبر لدى كثيرين رجلاً رصيناً وواحدً من أقدر أعضاء هيئة الضباط، وله سجل متميز في حرب عام 1973 وما تلاها من توسع دراماتيكي كبير في القوات المسلحة. كان هؤلاء هم الجنرالات الذين تجمعوا أول الأمر حول رفعت، ثم انقلبوا ضده، والذين بدأوا في مطلع عام 1984 يناورون لإيقافه عن حد.
وقبيل نهاية كانون الأول / ديسمبر عام 1983 شعر الأسد بأنه تحسّن بما فيه الكفاية كي يبدأ برؤية ضيوف أجانب مرة أخري. وعندما قابله صحفيان فرنسيان من مجلة لوبوان الأسبوعية وهو لا يزال يستجم في الغوطة ذكرا في تقريرهما أنه قال: ( لا أزال أشعر بالشباب ولكن جسمي وقلبي لا يسمحان لي بأن أبقى شاباً بقدر ما أحب ) وهي عبارة أمسك بها البعض وفسروها على أنها تعني أنه قد عانى من نوبة قلبية. وفي اوائل كانون الثاني/ يناير1984 عاد إلى دمشق، وسلّم الطيار الأميركي الملازم غودمان، إلى السناتور جيسي جاكسون، واستقبل وزير خارجية بريطانيا السير جفري هاو، وتجادل مع المبعوث الأميركي دونالد رامسفيلد في جوٍّ كانت خلفيته تدوي بأصوات قنابل الأسطول السادس.
وفي أذهان هؤلاء الزوار جميعاً كان السؤال: أهذا رجل مريض حقاً؟
عند هذه النقطة من القصة، تزايدت شكوك الأسد قوة، حول وجود مؤامرة اجنبية. كان يخشى ان يستغل اعداءه صحته المعتلة، والانشقاق في النظام الذي كانت السفارات انذاك قد بدأت ترتفع تقاريرها عنه. ولقد تشككت اجهزة مخابراته في ان الملك الحسن ملك المغرب والامير السعودي عبد الله، يحاولان بمساندة واشنطن سرا، استغلال الانقسامات الداخلية في سوريا للقيام بانقلاب يأتي في توقيته مع استعراض للقوة يقوم به الاسطول الامريكي.
وصدرت الاوامر لعلي حيدر وشفيق فياض بتحريك القوات والدبابات الى العاصمة.
وفي 23 شباط / فبراير، عندما طار الامير الى دمشق ليلقى ترحيبا من جماعة رفعت، يفوق الترحيب الرسمي للكسم رئيس الوزراء، امر الاسد الشهابي، رئيس الاركان، ان يقوم بتسريح العقيد سليم بركات، مدير امن رفعت، وكان الاسد يريد ان يتم خروجه في نصف ساعة. وناشد بركات رفعت أن يحميه، وتحدث رفعت مع الشهابي هاتفياً ليطلب مهلة قدرها 48 ساعة ولكن الشهابي لم يستطع إلاّ أن يقول بأن أوامر الرئيس كانت واضحة تماماً.
ورفض بركات التخلي عن منصبه و هنا سارع علي دوبا الى ثكنة بركات فاقتحمها بمفرده ودونما سلاح، وانقضّ على بركات وجرده من مسدسه الذي كان يلوح به، ثم صفعه على وجهه واقتاده بعيداً. وبعد بضع ساعات تمكن رفعت من الوصول إلى الأسد على الهاتف، فسأله:
- ماذا فعلتم (بزلمتي) بركات؟
فرد الأسد باقتضاب: أعتقد اننا قد أعدمناه .
- ولماذا تفعلون ذلك؟
- لقد أمرت بنقله، ولكنه رفض أن يذهب.
وبعد أيام عثر رفعت على بركات في السجن، فأمّن إطلاق سراحه ودبر له وظيفة أسلم.

- الضباط الذين تجمعوا حول العميد رفعت هم أنفسهم الذين أنقلبوا عليه!!!
لماذا؟
لأنه هكذا، و بدون مقدمات، قد كُتِبَ لأجهزة المخابرات أن تشكك في ان الملك الحسن ملك المغرب والامير السعودي عبد الله، يحاولان بمساندة واشنطن سرا، استغلال الانقسامات الداخلية في سوريا للقيام بانقلاب يُنفذه العميد رفعت!!.
إذاً الأمر لم يخرج بعد من باب التشكيك، و مع هذا فقد صدرت الأوامر لعلي حيدر وشفيق فياض بتحريك القوات والدبابات الى العاصمة.
و لكن..
بالعودة لما قاله الكاتب، قال أن الرئيس هو الذي " قام بجمع كبار ضباطه و وبخهم على الابتعاد عن تنفيذ رغباته الصريحة و بذلك فتحوا الباب لأخطار غير متوقة: أوَلم يروا أن دفع رفعت إلى المقدمة كان خطة أميركية - سعودية لازاحته عن الحكم؟ "
و أضاف الكاتب متسائلاً " ولكن كيف توصل الأسد إلى هذا الاستنتاج المفاجيء المذهل؟ "
إذاً أين هو دور أجهزة المخابرات "الذين تشككوا" إذا كان الرئيس قد قام بتوبيخ قادتها لأنهم لم يكتشفوا المؤامرة؟؟؟
على كل حال، إن ما يرويه الكاتب هنا يخالف تماماً ما رواه الدجال مصطفى طلاس، حيث أن الذين بدأو بالتحرك هم قوات الجيش و ليس قوات سرايا الدفاع كما ذكر طلاس.
- بالنسبة لقصة العقيد سليم بركات أنوه أننا قد قمنا بالتعقيب عليها على هذا الرابط
حسناً، لننسى هذا و لنتسائل:
هل يكون جزاء الضباط و المسؤولين الذين ابتعدوا عن تنفيذ أوامر الرئيس، و ظهر نفاق أغلبهم إلى العلن، هو "التوبيخ" الذي تبعه ترفيع رتبهم العسكرية و ترقية مناصبهم السياسية، و جزاء العميد رفعت الذي لم يجبرهم على تأييده، و الذي صُعق بمرض الرئيس و بقي ثلاثة ليال بالمستشفى بلا نوم يحرث أخيه المريض، هو التآمر عليه و إتهامه بالعمالة و محاولة الإنقلاب؟؟؟!!!
و هكذا أيها الأخوة، أتت هذه الفرصة الذهبية للمسؤولين الحاقدين على العميد رفعت فأصبحوا يرددون ما يتم حشوه بأدمغتهم كالببغاوات دون أدنى محاولة منهم للوقوف على حقيقة ما يجري.
المواجهة
وجرت عدة محاولات لنزع فتيل الأزمة من خلال المفاوضات. وأرسل رفعت أخاه جميلاَ ليشفع له عند الأسد. ولكن جواب الرئيس الذي لم يغفر كان: (أنا أخوكم الأكبر الذي أنتم مدينون له بالطاعة. لا تنسوا أنني أنا الذي صنعتكم جميعاً) واستمر الأسد يقصر الحبل لرفعت ويضيق عليه، بينما راح الأخير، وقد شعر بفزع أجفل منه جدياً، يسعى لحماية ماتبقى له من حرية.
وفي 27/شباط- فبراير 1984 بَدَتْ سوريا وكأنها على شفير حمام دموي، بينما الفريقان يواجه كل منهما الآخر، والمدافع مستعدة. وفي النقاط الاستراتيجية في العاصمة كانت قوات علي حيدر الخاصة بقبعاتها الحمراء الداكنة تواجه سرايا دفاع رفعت بقبعاتها الملونة بلون القرفة، بينما قام الحرس الذي يقوده عدنان مخلوف باستعراض للقوة في الشوارع الظليلة حول القصر. وفي الليل سُمِعَ صوت رصاص متفرق، ولكن لم يحدث صدام حاسم بالسلاح.

سيد باتريك إن العميد رفعت لم يرسل أخاه جميل ليشفع له عند الرئيس. بل إن العميد رفعت الذي فوجئ باعتقال العقيد سليم بركات و فوجئ بلهجة الرئيس عندما سأله عن هذا الأمر، حاول معرفة ما يدور في القصر الجمهوري عن طريق المرحوم الأستاذ جميل الأسد. و عندها سمع الخبر الفاجعة من الأستاذ جميل و هو أن الرئيس مقتنع تماماً بأن العميد رفعت بصدد تنفيذ إنقلاب على الرئيس. و لأن العميد رفعت فوجئ بهذا الأمر طلب من الأستاذ جميل أن يأتي إليه لمناقشة الأمر معه. فقال له الأستاذ جميل حرفياً:" يبدوا لي يا أبا دريد أنك بصدد متاعب لم تكن لتخطر على البال أبداً".
فطلب العميد رفعت إلى الأستاذ جميل أن يذهب للرئيس و يقول له أن ما يفعله هو بعيداً عن الصواب و أن كل ما أشعيع (فجأة) عن وجود مؤامرة هو كلام لا أساس له من الصحة. و تحدى العميد رفعت (بصفته العسكرية) الرئيس حافظ الأسد أن يقدم دليل واحد على صدق هذه الإشاعة و قال بأنه جاهز للمحاكمة في حال تم إثبات ذلك.
إلا أن الرئيس لم يدلي بأدلته أمام الأستاذ جميل و قال له "أنا أخوكم الأكبر و أنا قائد هذه البلد، و ما عليكم سوى تنفيذ أوامري دون تردد".
و عندها أيقن العميد رفعت أن الرئيس لديه أجندة ما، و هو ماض ٍ في إنجازها مهما كانت النتائج. علامات أستفهام كثيرة لم يجد لها العميد رفعت أي إجابة مقنعة، أللهم شق الطريق لزينة الحياة الدنيا، و لكن هل يجر عليه هذا الأمر التهم جذافأ كاتهامه بالعمالة لأمريكا؟؟!!
و عندما بدأ الرئيس بالتضييق عليه شعر بالحنق و الضيق الشديدين، خاصة عندما علم بأن الرئيس قد أمر بنشر قوات الجيش في العاصمة دمشق التي يُحكم العميد رفعت سيطرته العسكرية عليها.
و الذي كان يقضي مضجع العميد رفعت هو أنه كان قادر عملياً على إحراز نصراً كاسحاً على قوات الجيش لكنه بنفس الوقت لا يريد مواجهة عسكرية مع أحب الناس إلى قلبه الرئيس حافظ الأسد.
وكانت المفارقة أن هذا الاضطراب الخطر في الداخل قد تزامن مع اكتمال النصر في لبنان: ففي 29 شباط / فبراير وصل الرئيس أمين الجميل أخيراً إلى دمشق ليعلن قرار حكومته بإلغاء إتفاق 17 أيار / مايو الإسرائيلي - اللبناني. وفي تلك الليلة نفسها، ليلة 29 شباط / فبراير - 1 آذار - مارس عقدت القيادة القطرية جلسة طارئة لايجاد مخرج من الأزمة الداخلية. وتم التعبير عن الحل المتوصَّل إليه بتعيين ثلاثة نواب للرئيس الجمهورية بموجب مرسوم جمهوري صدر في 11 آذار / مارس 1984. وعلى رأس القائمة كان خدام، عدوّ رفعت الذي ركز عليه الجنرالات، يتلوه رفعت نفسه، وقد سُمِّيَ في المرسوم بلا رتبة ولا لقب سوى ( الدكتور) ( وذلك إشارة إلى الدكتوراه التي منحته إياها جامعة موسكو على أطروحة عن الصراع الطبقي في سوريا ويعتقد أنها من تأليف أحمد داود، العلوي الذي يجيد اللغة الروسية). وكان النائب الثالث لرئيس الجمهورية هو زهير مشارقة، مساعد الأسد في القيادة القطرية.
وكان ترفيع رفعت إلى منصب نائب الرئيس هو في الواقع تكسير رتبة، لأن واجباته تُركت بلا تحديد، لتعتمد على رضا الرئيس وعطفه. ونقلت إمرة سرايا الدفاع منه بموجب مرسوم جمهوري آخر إلى العقيد محمد غانم. ولم يستطع رفعت أن ينازع إزاحته من هذه الوظيفة، ولكنه جمع ضباطه وطلب منهم انتخاب قائد جديد، فاختاروا زوج ابنته، معين ناصف. أما غانم، السيء الحظ الذي وقع بين أوامر الأسد، و أوامر رفعت المضادة، فقد تنازل.
وكان الكرملين (الذي برز فيه قسطنطين تشيرنينكو زعيماً بعد وفاة آندروبوف في 10/ شباط- فبراير 1984) يراقب التطورات في سوريا بانتباه وفزع وبكثير من الحيرة. أكان صديقهم الأسد قد وقع في متاعب حقيقية بعد أن أجبر الأسطول الأميركي على الرحيل مباشرة؟
وفي غمرة حرصهم على استباق أي تغيير عنيف قد يغامر بتضييع المكاسب التي تم الحصول عليها بكل مشقة في لبنان، أرسل السوفيات حيدر علييف، عضو المكتب السياسي ونائب رئيس الوزراء، إلى دمشق ليتعرف مباشرة على ماكان يجري هناك. فوصل في 10 آذار / مارس يحمل رسالة حارة من تشيرنينكو (5)، وقابل جميع الشخصيات الرئيسية، الأسد، ورفعت، وخدام، والآخرين.
ولكن مهما كان دور الوساطة الذي قد يكون علييف لعبه، فإن التسوية المعلنة في 11 آذار / مارس لم تعمر طويلاً: إذ أن الأسد كان مصمماً على تجريد رفعت من القدرة على إغراق السفينة بينما كان رفعت بدوره مصمماً على ان لا يتصاغر إلى حد الضآلة. وهكذا استمر الضغط الذي بدأ عليه في الأسابيع الأخيرة من عام 1983 إلى آذار/ مارس عام 1984، حيث تم نقل واعتقال العديدين من أنصاره الموالين له، بل و مات بعضهم.
وبدأ رفعت يشعر بأنه هو نفسه في خطر عندما نقلت إليه حكاية كان الأسد قد رواها في اجتماع مع ضباطه، ومؤداها أن الألمان في الحرب العالمية الثانية قد أسروا ابن ستالين، الذي كان ملازماً شاباً في الجيش الأحمر، واقترحوا مبادلته بجنرال ألماني أسير عند الروس، وهددوا بقتل ابن ستالين إن لم يوافق على الصفقة. فأجاب ستالين بتجهم: ( فليقتلوه )، ثم بكى. وكان تعليق رفعت القارص: ( إن دموع أخي عزيزة علي، ولا أريده أن يذرفها بسببي). وبدت له قصة ستالين المشؤومة وكأنها مطالبة بحياته.
وفي الثلاثين من آذار- مارس لم يعد رفعت يستطيع أن يتحمل التوتر.
فمع استمرار انشداد الأنشوطة عى عنقه، وربما بتحريض من أتباعه المتملقين الأذلاء وأصدقائه الأجانب، أمر رفعت سرايا دفاعه بالتحرك بقوة إلى دمشق والاستيلاء على السلطة. فتحركت دباباته إلى داخل العاصمة تماماً وتفوقت مدافعها على وحدات منافسيه. واتخذت سرية دبابات ت 72 مواقعها عند دوار كفر سوسة خارج مبنى قيادة المخابرات العامة على طريق المطار حيث كان باستطاعتها أن تقصف المدينة. واحتلت دروع أخرى الحدائق الكائنة بين فندق الشراتون، وقصر الضيافة الجديد، حيث تم زرع الألغام أيضاً. وطوقت فرقة مشاه محمولة مؤللة فندق المريديان والمجمع الذي يحتوي على مكاتب القيادة القطرية. وفي مواجهة استعراض القوة هذا حشدت بسرعة دبابات شفيق فياض، وانتشرت عى طول النهر في معرض دمشق الدولي قواتُ المغاوير الخاصة التابعة لعلي حيدر. وأخرج المدنيون من بيوتهم الواقعة في مناطق الاقتتال المحتملة. وبدا الأمر كأنه إيذان بحرب أهلية. وتجرأ الملحقون العسكريون الأجانب على الصعود إلى سطوح المباني بحذر ومعهم المناظير المقربة، ثم بعثوا بتقارير تقول إن اطلاق النار قد يبدأ في أية لحظة.
وراقب الدبلوماسيون هذه الدراما وهي تتوالى فصولاً، وقد حيرهم بطء الأسد الظاهر في الردّ. فقد بدا سلبياً يكاد يكون جامداً في مواجهة تحدي أخيه. فلو تضارب الجانبان في العاصمة لكان الدمار عظيماً جداً، ولتشوهت صورة النظام إلى حدّ لا يمكن إصلاحه، هذا إن بقي النظام أصلاً. وبدت كل منجزات الأسد في ثلاثة عشر عاماً من الجهود، في الميزان معرضة للخطر، وبدت معركة لبنان وقد خُسِرَتْ بعد الاقتراب الشديد من كسبها. ومع ذلك فإن الأسد لم يتحرك.
كان الأسد يراهن على قدرته في السيطرة على أخيه حتى في النزاع الأخير، وقد اختار أن لا يكشف أوراقه. ومثلما كان الحال عندما بدأ الأسد يتهيأ للهجوم المعاكس في لبنان، ربما أراد الأسد أن يستدرج أعداءه إلى أن يشعروا بالثقة في أنفسهم. لأن هذه لم تكن مشكلة تعثر بها وهو غافل. وقد أظهرت النتيجة أن قدرته على التحكم بالأحداث لم تضعف ولم تتضرر. فخلال أسابيع من مناورات القط والفأر، مَدّ لرفعت عمداً حبلاً يكفيه لشنق نفسه قبل أن يضطره إلى الخروج للتحريض على الفتنة والعصيان علناً. ولا شك في أنه قد فعل ذلك ليعطي نفسه مبرراً كافياً وافياً لإزاحة رفعت بشكل كليّ. ولم ينس الأسد أن يتخذ إجراءات وقائية عائلية. ففي اليوم الذي سبق زحف رفعت إلى دمشق، رتب الأسد عملية جلب أمه ( التي كانت في الثمانينات من عمرها ) بالطائرة من القرداحة لتبقى في منزل رفعت. كان يعرف أنها لا تزال تمارس تأثيراً قاهراً على طفلها الأصغر. وبالمقارنة مع لاعب في مثل ذكاء الأسد، كان رفعت ساذجاً في ميدان السياسة. وهكذا أصبح المسرح جاهزاً لِصدام الإرادات.
ومع انقسام دمشق بين معسكرين يبدوان على حافة الحرب لبس الأسد زيه العسكري الكامل، واتجه بالسيارة مع ابنه باسل فقط، بدون حرس ولا مرافقين، عبر الشوارع الفارغة الموحشة إلى مواقع أخيه المحصنة جيداً في ضاحية المزة السكنية حيث يقع منزل رفعت ومقر قيادة سرايا الدفاع. وكان رفعت قد وضع دبابات في البساتين المجاورة وعلى طول الطريق الرئيسي، ونصب مدفعية على جبل قاسيون المطلّ على المدينة. وفي الطريق لتحدي هذه القوة المركزة توقف الأسد عند دوار كفر سوسة المليء بدبابات رفعت وأمر الضابط المسؤول بالعودة إلى ثكنته.
وفي منزل رفعت في المزة وقف الأخوان آخر الأمر وجهاً لوجه فسأل الأسد: (( أتريد أن تقلب النظام؟ هاأنذا. أنا النظام )) ودار بينهما طيلة ساعة جدال عاصف. ولكن الأسد، في دوره كأخ أكبر، ومع وجود والدته في البيت، لم يكن ليفشل في كسب النزاع. فاختار رفعت أن يقبل تعهد الأسد بأن مصالحه وأرصدته سوف تُحْتَرَمَ. وأذعن لأخيه كما كان يفعل غالباً منذ أيام شبابه. ونقل أصدقاء رفعت فيما بعد أنه قال إن قراره بترك القتال كان أعظم غلطة ارتكبها في حياته.
ولم يكن للصراع أي بعد آخر. وتدخل السوفيات إلى جانب الأسد، فألقوا بثقلهم خلفه. ولقد كان رفعت رجلاً شجاعاً وجريئاً، ولكنه كان أيضاً عاطفياً بعمق. فهو ببساطة لم يستطع أن يقسر نفسه على إعلان الحرب على أخ يحترمه ويعجب به ويتحرق إلى كسب رضاه، مهما كان عمق غضبه منه.
وبعد المواجهة، طاف الأسد على وحدات رفعت المنتشرة في منطقة المزة، وأمرها بالإنصراف. وفي غضون يوم أو يومين بعد ذلك تنفس الناس الصعداء بارتياح عميق وهم يرون اختفاء الدبابات والرجال المسلحين من شوارع العاصمة. كانت سلطة الأسد التي لا تُنَازَع قد استعيدت بوضوح.

- لقد قلنا أن باتريك سيل هو من الكتاب المخضرمين، و لكننا أشرنا إلى أنه قد وقع بأخطاء مهنية لا يجوز لكاتب متميز مثله أن يقع فيها. خاصة عندما يُنصِّب الكاتب نفسه مؤرخاً. فالمؤرخ لا يلجأ لكلمة " يُقال " أو " يُعتقد ". و ما تشكيك الكاتب بإجازة الدكتوراه التي يحملها العميد رفعت إلا تجسيدا لهذا الخطأ.
أما زيارة حيدر علييف فلم تكن زيارة وساطة، بل إن علييف أتى لتبليغ العميد رفعت الأسد رسالة تهديد من تشيرنينكو و التي مفادها أن الإتحاد السوفيتي سيتدخل ضد سرايا الدفاع في حال وقوع مواجهة بينها و بين الجيش مؤكداً أن روسيا لن تحتاج لأكثر من 48 ساعة لإرسال طلائع قواتها إلى دمشق. عندئذٍ ضحك العميد رفعت عالياً و قال له "إن سرايا الدفاع لن تحتاج أكثر من ساعتين لحسم الأمر مع الجيش، فما الذي ستفعلوه بعد 48 ساعة خاصة أن كل حلفائكم سيكونوا خلف قضبان الحديد؟" و خرج علييف شبه مطرود من مكتب العميد رفعت.
(لماذا لم يذكر العماد طلاس قصة علييف؟ طبعاً لأنها تكشف عجز القيادة عن مواجهة سرايا الدفاع، إذ بالإضافة إلى كون الجيش أضعف من أن يواجه سرايا الدفاع فإن الذي كان يقضي مضجع القيادة العليا هي عدم ثقتها بقادة و ضباط الجيش في أنهم لن ينحازوا لطرف العميد رفعت خلال المواجهة، و هذا ما حدث لاحقاً).
- و بالعودة إلى صلب الموضوع لا أدري لماذا يعتقد السيد سيل أن ترقية العميد رفعت الأسد من منصب قائد عسكري إلى منصب نائب الرئيس هو تكسير للرتبة؟ هلا فسرت لنا هذا الأمر الذي لم نسمع به بأي دولة في العالم إلا منك يا سيد سيل، ألا تعتقد أنه علينا احترام عقل القارئ قليلاُ؟
لقد كانت ترقية العميد رفعت الأسد إلى هذا المنصب هي إنتصار له و لمطالبه الحثيثة بإجراء الإصلاحات على السياستين الداخلية و الخارجية.
و تصحيحاً لمعلومات السيد سيل نقول بأن العميد رفعت الأسد، و سعياً منه للخروج من الأزمة مع الرئيس حافظ الأسد، و دفعاً منه لاحتمالات المواجهة العسكرية، هو الذي اشترط أن يكون هناك نواب للرئيس. فعرض الرئيس الأسد على العميد رفعت منصب نائب الرئيس لكن العميد رفعت أصر على وجود ثلاثة نواب للرئيس رفضاً لفكرة التوريث و تعزيزاً للنهج الديمقراطي الذي طالما طالب سيادته به. و عندما لم يستقر الرأي على أسماء نواب الرئيس أقترح العميد رفعت أن يُسمي الرئيس حافظ الأسد واحد منهم، على أن يُسمي العميد رفعت نائب آخر
و تم التوصل إلى الحل التالي:
1- تسمية عبد الحليم خدام نائب للرئيس للشؤون الخارجية
2- تسمية الدكتور رفعت الأسد نائبأ للرئيس لشؤون الأمن
3- زهير مشارقة نائب الرئيس للشؤون الحزبية
4- الإبقاء على سرايا الدفاع و تسليم قيادتها، بناءً على أقتراح الرئيس، للعقيد معين ناصيف
و أشترط العميد رفعت على القيادة السورية المضي بالإصلاحات التالية:
1- أن يتم تداول السلطة
2- إصلاح الجهاز الحزبي و إعادة الحزب لتبني أهدافه و مبادئه التي أتى من أجلها و ممارسة الديمقراطية داخل الحزب نفسه
3- السماح بالتعددية الحزبية و المشاركة بالسلطة
4- إصلاح الجهاز القضائي
5- إصلاح الأجهزة الأمنية
6- رفع سوية التعليم في سوريا و العمل على تحديث البلد كي تواكب الدول المتقدمة
7- العمل بشكل فوري على الإنفتاح الإقتصادي و رفع حالة الطوارئ في البلاد
8- رفع سوية دخل الفرد و تحسين سبل المعيشة لجميع المواطنين
و بالنسبة لموضوع لتداول السلطة، الذي كان كثيراً ما يناقشه العميد رفعت في إجتماعات القيادة و مع الرئيس، فقد أقترح العميد رفعت على الرئيس الأسد أن يبقى أميناً عاماً للحزب على أن يفتح المجال للشعب السوري بأن يختار رئيسه بحرية مطلقة عند نهاية كل ولاية من خلال إنتخابات حرة و نزيهة.
هذه كانت مطالب العميد رفعت الأسد و قد لاقت مطالبه الترحيب و التأييد الواسع بين صفوف القيادات الحزبية و العسكرية. و لهذا فقد تمت الموافقة عليها كلها من قبل القيادة. و هكذا برهن العميد رفعت الأسد للجميع أن المعلومات التي استقاها الرئيس من وجود مخطط لقلب نظام الحكم لم تكن إلا معلومات خاطئة.
و لكن ما الذي حدث بعدها؟
كما يقول الكاتب فقد بدأت القيادة السورية بتفتيت سرايا الدفاع من خلال اعتقال بعض قياداتها و الكثير من أفرادها.
و تزامن هذا الأمر مع رفض الرئيس الأسد للتعديلات الأولية التي بدأ نائب الرئيس الدكتور رفعت الأسد بإجراءها ضمن خطة الإصلاحات الأمنية. و أيضاً تزامن مع بقاء حالة الإستنفار و إنتشار الجيش في شوارع دمشق. فعلم الدكتور رفعت أن القيادة السورية غير جادة بإجراء أي إصلاح و أن كل ما تم لم يكن سوى إجراءات شكلية لتصفية سرايا الدفاع و إنهاء نفوذ العميد رفعت.
و مع اشتداد الحصار على أنصار العميد رفعت، و قتلهم و تعذيبهم، قرر العميد رفعت أن يلقن هذه القيادة درساً لا تنساه أبداً..!
فأمر العميد رفعت سرايا الدفاع بالتحرك للسيطرة على العاصمة دمشق و ليس للإستيلاء على السلطة. و أخذت وحدات و قوى الجيش الأخرى تخلي مواقعها أمام تقدم قوات سرايا الدفاع في شوارع و أحياء دمشق، و لعله من نافل القول أن نذكر أن جنود سرايا الدفاع، الذين حاصروا قوات الوحدات الخاصة في معرض دمشق الدولي، قد أمروا هذه القوات بخلع بذاتهم العسكرية و ارتدائها بالمقلوب، و قد نفذ جنود الوحدات الخاصة هذا الأمر و كانوا يرددون " نحن مع القائد نحن مع القائد " كناية عن العميد رفعت الملقب بالقائد.
أما جنود شفيق فياض فلم يكن لهم أي أثر بل قام قادة ألويتها أيضاً بإخلاء مواقعهم و تسليمها لسرايا الدفاع، و هذا الأمر يعلمه كل سكان دمشق.
و بأقل من ساعتين كانت سرايا الدفاع قد طردت كل وحدات الجيش الأخرى من دمشق و أحكمت السيطرة على العاصمة بالكامل و طوقت مبنى القيادة العامة و مبنى قيادة المخابرات العسكرية و مبنى قيادة المخابرات العامة و مبنى القيادة القطرية و مبنى قيادة الوحدات الخاصة و العديد من الأبنية القيادية و المراكز الأمنية، و حتى مطار المزة العسكري لم يكلف سرايا الدفاع سوى أرسال سرية راجلة قامت بالسيطرة عليه و على طائراته و طياريه بالكامل، و قد أستقبل حراس و جنود مطار المزة عناصر سرايا الدفاع بالتحية و رموا أمامهم أسلحتهم أرضاً. المكان الوحيد الذي لم تقترب منه قوات سرايا الدفاع هو القصر الجمهوري حيث يقيم الرئيس، و ذلك إحتراماً من العميد رفعت لشقيقه الرئيس حافظ الأسد.
الآن دمشق و مداخلها تحت السيطرة، و سرايا الدفاع بانتظار أي أمر يصدر عن قائدها العميد رفعت الأسد.
و عندما علم الرئيس، الذي كان يتابع التطورات عن قرب، بهذا الأمر و بأن سرايا الدفاع قد طوقت مبنى القيادة، طلب من اللواء شفيق فياض إرسال إحدى ألوية فرقته لفك حصار مبنى القيادة. فقال له شفيق فياض أن قادة الألوية هم من فتحوا المجال لقوات سرايا الدفاع للتقدم و تطويق المبنى. فأدرك الرئيس أن هؤلاء القادة هم مؤيدين للعميد رفعت، و طلب من اللواء شفيق أرسال اللواء توفيق جلول مع قواته لهذه المهمة.
إلا أن توفيق جلول، الذي ذهب لأداء المهمة، ما لبث أن أتصل باللواء شفيق و قال له: يوجد أمام المبنى سيارة أوسوزو حمراء و بها عقيد من السرايا.
فأجاب فياض: أتقول سيارة أوسوزو حمراء؟ ما بالك ترتجف و أنت تخاطبني؟
فقال جلول: يا سيدي فيها عقيد من السرايا عم قول!!
فعلم الرئيس أن المعركة مع سرايا الدفاع لم تعد واردة على الإطلاق، بل لا يوجد لدى الرئيس أي جيش ليحارب به سرايا الدفاع. أين وحدات القصر الجمهوري و أين كل فرق الجيش و أين سرايا الصراع و أين وزير الدفاع و أين أركانات الحكم و أين أركانات الجيش و قادة أجهزة المخابرات و غيرهم؟؟؟
باختصار، بين فار من المواجهة و بين مؤيد لقائد سرايا الدفاع لم يبقى للرئيس ما يحارب به.
و من المعروف للكثير من السوريين أن قوات سرايا الدفاع قامت بضبط واحد من أهم أركانات الحكم في سوريا و هو متنكر بجلابية عربية و يحاول الفرار خارج دمشق.
فقام الرئيس الأسد بطلب قادة سرايا الدفاع للإجتماع في مكتبه، و على الفور أخبروا قائدهم العميد رفعت فسمح لهم بالذهاب. و ربما نذكر مقتطف مما ناقشه سيادة الرئيس معهم ليتعرف القارئ على الهدف من هذا الإجتماع و هو حين توجه السيد الرئيس لواحد من هؤلاء الضباط و قال له: لماذا أعترض عناصرك ابنتي بشرى؟ فأجاب الضابط: لأنها كانت تُمزق صور سيادة القائد، و الذي يمزق صور القائد يمزق صور سيادتكم و الذي يحب القائد يحبكم و الذي لا يحب القائد لا يمكن أن يحبكم. فقال الرئيس: إذا كنت تريد أن ترى صورة العميد رفعت فادخل إلى غرفة نومي فستراها معلقة فوق سريري و لكن لا يُمكن أن يكون في البلد رئيسين.
بعد الإجتماع مباشرة قام السيد الرئيس بالطواف على قوات سرايا الدفاع و أمرهم بالخروج من دمشق و العودة إلى معسكراتهم، إلا أن الجواب كان دائماً واحد و هو: سيدي الرئيس نحن نتلقى الأوامر من سيادة القائد رفعت الأسد. و كانت هذه هي المرة الأولى التي تُرفض فيها أوامر الرئيس.
و بحث الرئيس عن آثار جيشه فلم يعثر على واحد منه!!! و لم يبقى أمامه سوى الذهاب لمنزل شقيقه، الذي كان بانتظاره!!
و لو كان لدى الرئيس حافظ الأسد أي بصيص أمل في أن يتفوق على سرايا الدفاع لما ذهب لمنزل العميد رفعت..!
قبل أن يذهب الرئيس قام بإرسال والدته إلى منزل العميد رفعت، و عندما تأكد أنها أصبحت هناك أصطحب أبنه المرحوم باسل الأسد (الذي يحبه العميد رفعت حباً شديداً حيث أنه هو الذي رباه في صغره) و توجها بالسيارة بمفرديهما إلى منزل العميد رفعت.
و هناك تقابل الزعيمان وجهاً لوجه..
و قال الرئيس لأخيه: هل تريد أن تحكم سوريا؟ أذهب و احكمها...ها هي تحت سيطرتك.
من المعروف طبعاً أن سوريا كان يُمكن أن تكون تحت سيطرة العميد رفعت منذ أن قام بإقالة أمين الحافظ و أعتقل محمد عمران و عبد الكريم الجندي. و عندما أتى العقيد القذافي و لم يكن يوجد رئيس جمهورية لاستقباله بالمطار قال لأخيه وزير الدفاع حافظ الأسد أذهب أنت و استقبله لأنك أنت ستكون الرئيس. و ما ذلك إلا حباً بشقيقه و أحتراماً له و إعلاءً لشأنه.
فلو كان العميد رفعت يريد أن يكون رئيس سوريا لفعل هذا منذ زمن بعيد، لكن و بالرغم من تحفظاته الكثيرة على ما قام به حزب البعث في سوريا فإنه آثر أن يبقى الناصح المخلص لأخيه، و الحارس الأمين للبلد، و قد قام بواجبه تجاه الرئيس و الوطن على أكمل وجه، و جنَّب سوريا العديد من الكوارث و الويلات التي هددت حكم الرئيس و وحدة سوريا.
و هاهو الآن يسيطر على العاصمة و على سوريا. فهل أدركت القيادة الآن أنه ليس بحاجة لمساعدة أمريكا للإستيلاء على الحكم؟
و أثناء سيطرة سرايا الدفاع على دمشق تلقى العميد رفعت أتصالات كثيرة من أقرب القياديين إلى الرئيس حافظ الأسد و كلهم قدموا الطاعة و الولاء له.
القائد الفذ رفعت الأسد و صاحب القلب الكبير و الكرم العظيم، و الذي أحب أخاه أكثر من أي شيئ في الدنيا، لم يرضى أن يرى أخاه سوى عزيزاً و مكرماً. فقرر العميد رفعت، الذي طالما نادى بالإصلاحات و بتحقيق الديمقراطية، و الذي أدرك أن القيادة غير جادة باتخاذ أي خطوة باتجاه هذه الإصلاحات، قرر أن يغادر البلد إلى حين أن تقرر القيادة المضي بتنفيذها.
و حيث أشار باتريك سيل أن الرئيس تعهد باحترام أرصدة العميد رفعت، قيل أن الرئيس تعهد حينها بإجراء الإصلاحات و تعهد بعدم تدمير سرايا الدفاع. و أمضى الرئيس و العميد رفعت بعض الوقت مع والدتهم و بقية أفراد العائلة. و قام العميد رفعت بالإتصال بقيادة سرايا الدفاع و أمرهم بالإنسحاب من دمشق و العودة إلى أماكن تمركزهم.
أما ما نُقل عن أصدقاء العميد رفعت فيما بعد أنه قال إن قراره بترك القتال كان أعظم غلطة ارتكبها في حياته، فما هذا إلا تمنيات من يدَّعون أنهم نقلوا هذا القول عن العميد رفعت.
القائد رفعت الأسد فاز مرتين هنا..
مرة عندما كشف عن حجم قوته، و عن عدم عجزه عن القضاء على خصومه.
و مرة عندما كشف عن عمق عاطفته و سعة صدره و عظمة وفاءه.
الهوامش
(5) مقابلة مع الرئيس الأسد في دمشق في أيار / مايو 1984