


حل العقدة
ومع ذلك بقيت أشياء أخرى معلقة بحاجة إلى أنجاز. فبينما كانت القاعدة الرئيسية لقوة رفعت هي سرايا الدفاع كان له مراكز نفوذ أخرى في مختلف أنحاء البلد. كان على سبيل المثال شريكاً في كثير من الأعمال التجارية ومشاريع البناء وتطوير العقارات حيث كان قد وضع صنائعه كمدراء، وعمال، وحراس.
وكان أيضاً متحمساً للشباب. وكان من مشاريعه المثيرة للجدل والنزاع كما ذكرنا خطط لتدريب الشبان والفتيات على الهبوط بالمظلات يكسبون منها درجات إضافية في امتحانات الشهادة الثانوية. وقد أثار ذلك سخط الطلاب الأقل ميلاً للرياضة. فالعلامات العالية كانت توسع فرص قبولهم في كليات الطب والهندسة التي كان الإقبال عليها شديداً. وقد تبنى رفعت كلمة ( الفرسان) ذات الرنين الرومانسي كعنوان للمجلة التي كان يصدرها، وكاسم للأرض السكنية في المزة حيث كان يُسْكِنُ أتباعَه.. وكوصف عام للشبان النشيطين لتحسين أوضاعهم والعاملين للمصلحة العامة.
ولعل أكثر مشاريعه الثقافية طموحأً رابطة خريجي الدراسات العليا التي كان يسمح بالانتساب إليها لحملة الشهادة الجامعية الثانية فقط في بادىء الأمر، ثم توسعت فيما بعد لتقبل كل الخريجين، رغم أن الأعضاء لم يكونوا ليقبلوا فيها إلا بعد مضي بضع سنين على تخريجهم من الجامعة وبعد أن يظهروا شيئاً من النجاح في حياتهم العملية. وكانت فروع الرابطة الخمسة عشر في مختلف أنحاء البلاد، بجمعها عدة آلاف من الأعضاء، تشكل منابر يناقش فيها المحترفون من الرجال والنساء القضايا العامة خارج قيود وضوابط حزب البعث.
وكانت حجة رفعت المنطقية في اجتذاب المثقفين إلى الرابطة هي حاجة سوريا، في تنافسها مع إسرائيل، إلى تحسين حياتها الفكرية. وكان متحمساً لمراكز البحوث، وأجهزة الكمبيوتر، وتعليم اللغات. وقد أقيمت بعض هذه المنشآت والتسهيلات تحت رعايته. ولكن مهما كانت روح المصلحة العامة خلف دوافعه، فإن منتقديه رأوا فيها محاولات لبناء قاعدة لقوّةِ شخصيةِ له.
بعد أسبوعين من المواجهة الجارحة مع الأسد، أعلن مساعدوا رفعت عن تجمع كبير للرابطة ينعقد يوم 17/ نيسان- إبريل1984 وهو يوم إستقلال سوريا، على مدرج جامعة دمشق. ولكن عندما سعى مسؤولو العلاقات العامة لدى رفعت لتصوير هذه المناسبة بالتلفزيون، مُنعوا من استخدام المدرج. وعندما نُقِلَ المكان إلى نادي الضباط ، قامت السلطات بإلغاء الاجتماع كلية.
ومثل هذا الأمر لا يمكن أن يكون قد أتى إلاّ من الأسد نفسه. وبروح من التحدي أقام رفعت غداء في الشيراتون لحوالي خمسمائة من الضيوف من أعضاء الرابطة، وبعض الوزراء وكبار الموظفين، وألقى خطاباً إستغرق ساعتين هاجم فيه باندفاع متهور بعض أهم جوانب سياسة الأسد الأساسية.
وكان حافز رفعت الأساسي الأول هو الدفاع عن نفسه ضد تهمة عدم الولاء. وكان كأنه يخاطب أخاه الأكبر في القصر الجمهوري من فوق رؤوس ضيوفه على الغداء. "إن أخي لم يعد يحبني. وعندما يراني يكشر، ولكنني لست عميلاً أميركياً. ولست عميلاً سعودياً. ولم اتآمر على بلادي. هل نسيت بأنني قبل عشر سنوات كنتُ أُسَمَّى (الضابط الأحمر)؟ [ وكانت تلك إشارة لدوره (كقناة خلفية) للسوفيات في منتصف السبعينات عندما كان الأسد يتفاوض مع كيسنجر] وعندما اتصلتُ بالأمير عبد الله ووافق السعوديون على مساعدتنا كان ذلك لأن سوريا بحاجة للمال. كنت أعمل من أجل سوريا، من أجل اقتصادها وحكومتها. فلماذا أُدْعَى الآن عميلاً سعودياً وأميركياً؟"
ولم يستطع أن يتجنب الإشارة إلى الكارثة التي كادت تقع قبل ذلك بأسبوعين عندما واجهت دباباته دبابات علي حيدر وشفيق فياض و وجهت مدافعها ضد بعضها البعض عبر ساحات وحدائق دمشق، فقال: "لو كنت أحمق لكان باستطاعتي تدمير المدينة بكاملها، ولكنني أحب هذا المكان! لقد كان رجالي هنا طيلة ثمانية عشر عاماً [ إشارة إلى الدور الذي لعبته قوات أمنه في الصدام الحزبي الداخلي عام 1966] وقد اعتاد الناس علينا، وهم يحبوننا والآن يريد هؤلاء الكوماندوس [رجال علي حيدر] أن يطردونا إلى الخارج".
وكان في دفاع رفعت شيء أكثر من الاعتذار الشخصي. فرغم أن البعض كانوا يرونه سفاحاً، فقد كان رفعت أيضاً مدافعاً عما يرقى إلى ما يمكن تسميته بالثقافة - المضادة. كانت الفكرة التي يروج لها تبعث في الذهن رؤية مختلفة عن رؤية الأسد لسوريا ومكانتها في العالم. وكانت رابطته تجمعاً مضاداً للحزب تتنافس مع البعث. وكان أتباعه نخبة مضادة للمؤسسة القائمة أبرع وأكثر استقلالاً فكرياً من الموظفين والصنائع والبيروقراطيين الحزبيين التابعين للنظام.
وكان غداء الشيراتون أهم أداء مثير لافت للنظر قام به رفعت. ولكنه كان الأخير في عدة نشاطات. وقد ظل شهوراً في اجتماعات خاصة، سرية وشبه سرية، يطور إدانته لسياسات أخيه. لماذا تصرف سوريا كل هذه الأموال في لبنان بينما هي تحتاجها للإستثمار في الداخل؟ هل من الحكمة المخاطرة بحرب مع أميركا وأوربا واكتساب سمعة الإرهاب فوق ذلك؟ ولماذا لا تتم الموافقة على انسحاب إسرائيلي وسوري من لبنان في الوقت نفسه؟ وكان من مواضيعه المفضلة الأخرى إعتماد سوريا أكثر من اللازم على الاتحاد السوفياتي وعلى ضمانات سوفياتية مشكوك فيها. صحيح أن السوفيات قد زادوا قوة سوريا بشكل كبير، ولكن متابعة موضوع التوازن مع إسرائيل لها أخطارها. فلا يمكن تحقيق ذلك إلا إذا اندمجت سوريا بشكل متكامل في الخطط الدفاعية السوفياتية، ولكن ثمن مثل هذا التحالف العسكري الكامل مع موسكو هو إلغاء كل إستقلال للسياسة. فخدام ( الرجل الذي لم يكن لدى رفعت وقت للاهتمام به) كان يتفاخر باجتذاب مخلب واحد من مخالب الدب السوفياتي إلى الأرض السورية.. ولكن ماذا لو تبعته المخالب الثلاثة الأخرى؟ إن سوريا الصغيرة عندئذ سوف يُقْذَفُ بها إلى الهواء بلا حول لها ولا قوة.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية لم يكن رفعت يخفي معارضته لدعم سوريا للمنشقين عن فتح، مثل أبي نضال وأبي موسى في حربهم ضد عرفات.
فما معنى الحزازة والعداء مع رئيس منظمة التحرير الفلسطينية؟ ولماذا طرده من طرابلس؟ ألم يكن له حق في أن يكون هناك مادام الإسرائيليون لا يزالون في صور؟ ولماذا كانت سوريا معادية بمثل هذا العنف لاتفاقية حسين-عرفات التي قد تستعيد يوماً ما جزءاً كبيراً من الضفة الغربية من حكومة إسرائيلية يؤلفها حزب العمل؟ ولماذا لا يُسْمَحُ للفلسطينيين بمتابعة هذا الطريق الذي يبدو واعداً؟
وكان تحالف سوريا مع إيران نقطة خلاف أخرى. لم يكن رفعت يحب صدام حسين، ولكنه تمرد على العلاقة الوثيقة مع مشايخ إيران الذين اعتبرهم رجعيين ومتعصبين مثل الأعداء الإسلاميين الذين قاتلتهم سوريا في الداخل. كيف يمكن للنظام أن يتبع سياسة في حماه وسياسة أخرى في طهران؟ أكان الصراع ضد الأخوان المسلمين بكامله مجرد شيء صوري. فارغ بدون التزام عقائدي؟

- سيد باتريك قد أحسنت في قولك أن العميد رفعت كانت له مراكز نفوذ في مختلف أنحاء البلاد، إلا أنك لم تُحسن تشخيص هذه المراكز...
فأولاً: لم تكن سرايا الدفاع هي القاعدة الرئيسة لقوة العميد رفعت. بل كانت و مازالت قاعدة قوته الرئيسية هي الشعب السوري بكل فئاته و قد كانت سرايا الدفاع تمثل كافة شرائح الشعب إذ يندر أن نجد عائلة سورية لم يكن فيها جندي أو فارس في سرايا الدفاع.
ثانياً: العميد رفعت لم يكن بحياته شريكاً تجارياً لأي شخص أو مؤسسة على وجه الأرض لا في سوريا و لا خارج سوريا. و يبدوا لنا سيد باتريك أنك تعرضت لخديعة كبرى عندما قيل لك هذا الكلام. فكيف يكون للعميد رفعت تجارة في سوريا و هو الذي كان يوزع كل المساعدات العربية التي كان يقدمها له الأصدقاء على الشعب السوري! فهل يوزع التاجر ما يجنيه من أرباح تجارته؟ بل على العكس لقد كان العميد رفعت هو صمام أمامن الإقتصاد السوري و صمام الأمان الذي يحمي المواطن السوري من الرأسماليين و الإقطاعيين الذين زخمت رائحتهم الأنوف بعد خروج العميد رفعت من البلد. ففي عهد العميد رفعت لم يكن في سوريا تجار أو رجال أعمال على شاكلة رامي مخلوف و محمد حمشو و فراس طلاس و فراس الخولي و غيرهم ممن لم يبقى أمامهم سوى التجارة بالهواء الذي يتنفسه المواطن. و حتى المسؤولين السوريين لم يكونوا ليتجرؤا على لقمة المواطن السوري، فقاموا بعد رحيله مباشرة باحتكار الزيت و السمنة و القمح و الأرز و حتى المناديل الورقية. و يكفي التذكير بأن سعر صرف الدولار لم يتجاوز الثلاث ليرات طيلة وجود العميد رفعت في سوريا.
و أيضاً عندما كان العميد رفعت بالبلد كان كل الأفراد من عائلة الأسد يتمتعون بالسمعة الطيبة, لأن سيادته كان يرعاهم جميعاً فجعل منهم ضباطاً و أطباء و مهندسين ناجحين و أرسل بعضهم للدراسة بالخارج لتأمين مستقبلهم. أما من لم ينجحوا بالدراسة منهم فقد كان سيادته يرعاهم و يتكفل بمصاريفهم و أعطاهم سيارات للتنقل متوعداً إياهم بأن أي منهم سيقوم بأي عمل مخالف للقانون سيكون مصيره السجن. و بعد أن غادر العميد رفعت البلد صدرت الأوامر من القصر الجمهوري بمصادرة سيارات هؤلاء الشباب و منعهم من أستلام إعاناتهم المالية التي كانت تأتي عن طريق العميد رفعت، و هكذا... أصبح الكثيرين من أفراد عائلة الأسد بلا عمل و لا سيارة و لا حتى مصروف!! يسيرون بالشوارع فيشاهدوا كيف أن أولاد المسؤولين يتجولون بالسيارت الفارهة و هم (من عائلة الرئيس) لايملكون ثمن عجلة من عجلاتها!! فبدأ بعضهم بتهريب البضائع اللبنانية إلى سوريا و عندما كانت تصل أخبار تجاوزاتهم للقصر الجمهوري كانت تصدر الأوامر بسجنهم لمدة أسبوعين قبل أن يطلقوا سراحهم مرة ثانية. ليعاودوا التهريب، و من ثم السجن، و هكذا دواليك، دون أن يجدوا من يوظفهم و يرعى شؤونهم في بلد كلها واسطات و محسوبيات. و بعد سنوات من مغادرة العميد رفعت للبلد ظهر جيل جديد من شباب عائلة الأسد بدأ معهم أهالي اللاذقية و جبلة و القرداحة يعدُّون الأيام و الليالي كي تنتهي سنوات مراهقتهم داعين الله أن يهديهم و يُصلح أفعالهم و ذلك بسبب المضايقات و الأذى الذي كانوا يتعرضون له على أيدي هؤلاء الشباب. من كان منهم يتجرأ على هذه الأفعال في السابق؟ بالتأكيد لا أحد. فالكل كان يعلم كيف عاقب العميد رفعت واحداً من أولاده عام 82 عندما قام بتهريب سيارة لبنانية كي يقودها في سوريا، إذ أمر العميد رفعت بأن تُحرق السيارة أمام أبنه و أن يُحلق له شعر رأسه و بعدها أمر بسجنه.
- لا جرم أن العميد رفعت، حين قام خلال أجتماعه الأخير في الشيراتون بمخاطبة الرئيس مذكراً أياه بمنجزاته السابقة، كان يعلم أن مضايقات الرئيس له كانت لها أسبابها الخاصة و المتعلقة بالرئيس و ابنه باسل رحمهما الله. و لكن مع هذا لم يشأ العميد رفعت أن يصرح بهذا الأمر لأن سوريا ليست ملكية و لا يرضى العميد رفعت لأخيه أن يظهر بمظهر من يريد توريث الحكم لولده. و لعل من نافل القول هنا التذكير بمصير اللواء علي حيدر الذي لاقاه بُعَيدَ وفاة المرحوم باسل الأسد و بدء تحضير و تدريب بشار الأسد على أداء المهام الرئاسية، حيث تم اعتقاله و عزله من منصبه على خلفية ما قاله في أحد الإجتماعات: "لقد كان العميد رفعت الأسد على حق.. فقد أتضح أن المسألة مسألة توريث و ليس أي شيئ آخر".
أما تساؤلات العميد رفعت الأخرى و المتعلقة بلبنان و السلطة الفلسطينية و إيران و الإتحاد السوفيتي فقد أكدت الأحداث اللاحقة أن العميد رفعت كان محقاً بكل أطروحاته.
نعم، نحن لم يكن لنا أي مصلحة في البقاء في لبنان بعد إنتهاء الحرب عام 1982 و إن الأموال التي تم صرفها على جيشنا في لبنان كانت سوريا و شعبها أولى بها. بعد أنتهاء الحرب مع إسرائيل أمر العميد رفعت قواته بالعودة إلى سوريا و طالب القيادة السورية أيضاً أن تقوم بإعادة وحدات الجيش الأخرى بما فيها الوحدات الخاصة و قال لهم: ليس من المفيد لنا البقاء في لبنان بعد أن أنتهت الحرب مع أسرائيل بل إن بقاءنا هناك لن يَجُرَّ إلا المتاعب و سيأتي يوماً نُطرَدُ فيه من هناك. إلا أن القيادة آثرت إبقاء الجيش في لبنان. و بطبيعة الحال، و بغياب الحسيب و الرقيب، بدؤوا ضباط المخابرات و عناصرهم العبث في لبنان حتى أصبح المواطن اللبناني، الذي كان ممتناً للجيش السوري لدماءه التي أراقها دفاعاً عن لبنان، أصبح لا يتمنى أن يسمع كلمة "سوري أو سوريا" و هكذا بقي الجيش السوري في لبنان منبوذاً و مكروهاً حتى تم إخراجه عنوة قبل سنوات قليلة.
وكان رفعت لا يقل جذرية وتشدداً في التشكيك بتوجهات سوريا المحلية. "إننا نتحدث عن الحرية، ولكننا لسنا أحراراً إلاّ في أن نأكل ونتزوج". وكان يقدم نفسه كمدافع عن الحرية الاقتصادية والسياسية فيجادل بأن من الخير للسوريين أن يرتفعوا بأنفسهم إلى مستوى الآخرين، وأن يتمتعوا بالبذخ الاستهلاكي وبترف حرية الكلام. وكان يتهم سوريا بالانحراف عن المثل والمبادىء التي من أجلها قام الأسد بحركته التصحيحية في عام 1970. ومع مناداة رفعت بأفكار كهذه لم يكن مستغرباً أن يكون في نظر الأسد مداناً ليس بالهرطقة فحسب، بل بشيء يقرب من الخيانة.
غير أنه يجب القول إن معظم السوريين لم يكونوا يرون رفعت بهذه الصورة التي قدمها عن نفسه كداعية إنساني للحرية. بل كانوا يعتبرونه مثالاً صارخاً على الثراء الفاحش من جراء مشاريع تجارية ومالية في سوريا نفسها وفي لبنان.
في 15/ أيار- مايو وفي تطور ظهر وكأنه غير مرتبط بالأزمة استدعى الأسد سفيره من المغرب، وكان السبب الظاهري هو استضافة الملك الحسن لمؤتمر لليهود المغاربة حضره وفد إسرائيلي كان يضم تسعة من أعضاء الكنست. ومن المؤكد أن الأسد قد أغضبته بادرة حسن النية هذه التي أبداها الحسن الثاني لإسرائيل في وقت كانت فيه القوات الإسرائيلية لا تزال محتلة لأجزاء كبيرة من لبنان. ولكنه أراد أن يشير إلى سخطه على ماكان يعتقد بأنه تدخل مغربي في شؤون سوريا. فلقد كان رفعت يعتبر الحسن واحداً من أروع العرب، ويعده صديقاً شخصياً، بينما كان الأسد يرى فيه شخصاً مشبوهاً بشدة، ولم يكن يستطيع أن يغفر بسهولة دورَ المغرب في زيارة السادات للقدس عام 1977.
وكان حل عقدة حرب الأخوين مثلاً كلاسيكياً تقليدياً في فن السيد المسيطر على الحلبة، أنيقاً، وغير متعجل، وموضحاً مدى سيطرة الأسد على أتباعه الجموحين المشاكسين. ففي الثامن والعشرين من أيار/ مايو، وبمساعدة الكرملين، أرسلت طائرة محملة بسبعين من كبار الضباط إلى موسكو لفترة تهدأ فيها النفوس، وكان من بينهم رفعت. وهكذا أبعدوا جميعاً دون أية ضمانة حول ما إذا كانوا سيعودون، ومتى، فذلك كله معتمد على إرادة ( معلمهم ). وبطردهم جميعاً أوضح الأسد بأكثر الطرق علانية أنه لم يكن فيهم أحد لا يمكن الاستغناء عنه. وروى الأسد فيما بعد أن بعض هؤلاء الضباط الكبار ظنوا بأنهم إذا أرسلوا للخارج فسوف ينهار النظام، ( وقد قلت لهم: لا تخافوا على النظام، بل خافوا بالأحرى على أنفسكم)(6) وفي آخر الأمر استدعوا جميعا ً- ماعدا رفعت - للعودة إلى واجباتهم. وبالتخلص منه، باعتباره أغناهم جميعاً وأقواهم، وأكثرهم شعبية أثبت للبلد كلها أنه مسيطر على الآخرين. ولأسباب تتعلق بحفظ ماء الوجه وصف راديو دمشق زيارة رفعت إلى الإتحاد السوفياتي بأنها
( زيارة عمل ودية ). وساعد تشيرنينكو في ذلك بأن قابل رفعت في أول حزيران/ يونيو، ولكن في الخامس من ذلك الشهر كان رفعت يقيم في المنفى بجنيف.

- يقول باتريك سيل أن مطالب العميد رفعت بمنح الشعب السوري حقه في أن يعيش حراً قد جعلت منه خائناً في نظر الرئيس حافظ الأسد!!
و هذا من أغرب ما يُمكن للمرء أن يسمعه عن النظام السوري الذي طالما صدَّع آذاننا بالوحدة و الحرية و الإشتراكية.
أما الأمر الأشد غرابة فهو: كيف يكون العميد رفعت هو القائد الوحيد الذي كان يُطالب بحقوق الشعب السوري و بنفس الوقت كان مُداناً من قبل الكثير من السوريين حيث يقول باتريك سيل "غير أنه يجب القول إن معظم السوريين لم يكونوا يرون رفعت بهذه الصورة التي قدمها عن نفسه كداعية إنساني للحرية. بل كانوا يعتبرونه مثالاً صارخاً على الثراء الفاحش من جراء مشاريع تجارية ومالية في سوريا نفسها وفي لبنان"!!
ربما تتلاشى الغرابة هنا إذا قمنا بإجراء تصحيح بسيط لما قاله باتريك سيل. نقول للسيد باترك: إن العميد رفعت كان قائداً عسكرياً و مفكراً أستراتجياً قد أثبتت السنوات العشرين الأخيرة صحة ما كان يدعوا إليه. و هو لم يقدم نفسه للشعب السوري كداعية إنساني للحرية بل هو قدم أفكاره للقيادة العليا و كان يطرح أفكاره هذه في كل المؤتمرات القطرية للحزب. و الشعب السوري لم يكن باستطاعته معرفة ما تتم مناقشته في هذه الإجتماعات. و أيضاً لاتنسى التشويه العلني المتعمَّد الذي تعرضت له سيرة العميد رفعت بسبب أفكاره هذه. و هذا التشويه لم تلجأ له القيادة العليا لمحاربة العميد رفعت فحسب، بل عملت من خلال هذا التشويه و تزوير الحقائق على رمي كل أخطاءها على كاهل سيادته.
أما بالنسبة لذكر الكاتب للثراء نقول: صحيح أننا نقوم بدفع التهم الباطلة عن سيادة القائد رفعت الأسد هنا و لكن دعونا نسأل: من منا لا يحب أن يعيش حياة كريمة؟ إذا استثنينا الزاهدين، سنقول أن تسعين بالمائة من البشر، إذا لم يكن أكثر، يفضلون الحياة الكريمة. و لكن الذي يُميز العميد رفعت الأسد هو أنه يحب العيش الكريم له و لكافة ابناء الشعب السوري، و هذا الذي أكده سيادته في مقابلته مع اسوشيتد برس و قد أشار باتريك سيل إلى الكرم الشديد الذي يُميز سيادته.
و على ذكر كرم العميد رفعت تجدر الإشارة إلى أن البعض في سوريا حاولوا و يحاولون تقليد سيادته في كرمه لكسب المحبين و المؤيدين و ذلك بإغداق الهدايا و العطايا على أعوانهم و على ضباط الحرس الجمهوري ولكن طبعاً بفارق بسيط و هو أن العميد رفعت كان يغدق العطايا لكل أبناء الشعب و كان يفعل هذا دون إذلال هذا الشعب و دون أن يكلف الدولة قرشاً واحداً. بل كل عطاياه كانت تُدفع من المساعدات التي كان يتلقاها من أصدقاءه العرب. أما من يقلدوه اليوم فقد أشبعوا الناس إذلالاً، و خزينة الدولة إرهاقاً، من دفع العطايا للأشخاص الذين يرون فيهم أستمراريتهم فقط. متناسيين أن المحبة التي يكنها الشعب للعميد رفعت هي ناتجة عن حب العميد رفعت لشعبه و عن إخلاصه و وفاءه له.
ربما يقول قائل: أنا سوري و لم أحصل في حياتي على أي مساعدة من العميد رفعت لا أنا و لا أي واحد من عائلتي.
نقول لك أنت مخطئ. لأنه لا يوجد أي سوري، عاش في سوريا في عهد العميد رفعت، لم يستفد من عطايا سيادته. و لا يوجد سوري منهم لم يتضرر جراء مغادرة سيادته للبلد. و سننشر هنا لأول مرة ما لا يعرفه معظم السوريون: إن كل المساعدات العربية التي كان يدفعها أصدقاء العميد رفعت كانت تصل للبنك المركزي بطلب من سيادته و ليس لحسابه الخاص و لهذا السبب حافظت الليرة السورية على سعرها أمام الدولار طيلة وجود العميد رفعت.
و ما لا يعرفه أغلب السوريون أن العميد رفعت قام برعاية إنتاج سيارة الشام في عام 1983 و هو الذي أطلق عليها أسم شام. و قد تم عرض أول سيارة تم إنتاجها على العميد رفعت حيث نُقلت بعد تصنيعها مباشرة إلى مكتب سيادته بمعسكرات القابون. و قد قام بدوره بعرضها على الرئيس حافظ الأسد الذي فوجئ بها و طلب تأجيل المشروع لأسباب أقتصادية. أما الغريب في الأمر هو قيام النظام السوري بإحياء مشروع هذه السيارة بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد ليصار إلى تصنيعها بأيدي إيرانية بعد أن تم تصنيعها في السابق بإيدي سورية.!!
و أيضاً ننشر هنا لأول مرة أن العميد رفعت كان يتعرض للكثير من الضغوط كي يوقف مساعداته لشعبه و هو الأمر الذي رفضه جملة و تفصيلاً. و أتت الحرب العشواء التي تم شنّها على منزل سيادته في اللاذقية لتتسبب بقطع المساعدات الشهرية عن آلاف العائلات الفقيرة. و قد ذهب ضحية هذا الهجوم العديد من القتلى و الجرحى، كما تم اعتقال المئات ممن أتوا من أجل استلام المساعدة و تعرضوا للتعذيب و المهانة. بالطبع سنفرد لهذه الحادثة (المُبكية و المضحكة بآن واحد) بعض من صفحات هذا الموقع كي يتعرف السوريون على حقيقة ماجرى في ذلك الوقت حيث ثم تضليلهم و خداعهم بقصص لا علاقة لها بالواقع لا من قريب و لا من بعيد. فترقبوا سردنا لحقيقة ما جرى قريباً بإذن الله.
نعود لما يقوله الكاتب حيث يقول أن الرئيس (طرد) خصومه خارج سوريا و لا أدري يا سيد سيل لماذا استعرت هذا التعبير في هذا المقام مع أنك أنت بنفسك ذكرت لنا كيف أن الرئيس هو الذي ذهب لمنزل العميد رفعت لإيجاد مخرج من الأزمة.
فهل يستقيم منطقياً أن نقول: إن الرئيس قد ذهب إلى هناك كي (يُملي شروطه) و (يطرد)؟ بالتأكيد لا.. و حيث أنك قلت أنه تعهد بحماية أرصدة العميد رفعت، فإن المُتَعَهِّد (منطقياً) يكون هو الذي أذعن للشروط و ليس العكس. فهل أوفى سيادة الرئيس بهذا العهد؟
على أي حال نعود و نؤكد أن العميد رفعت هو الذي قرر أن يترك البلد (تاركاً الجمل بما حمل) و قال أنه لن يعود حتى تقوم القيادة بإصلاح نفسها. فطلب إليه الرئيس أن يصطحب معه بعض القادة من الضباط و ذلك كي (يصالحهم) و كي لا يبقى بينه و بينهم أية ضغائن. فوافق العميد رفعت مرحباً بهذا الأمر.
و لكن الذي لم يُفاجئ العميد رفعت، هو أنه عندما سأل عنهم في اليوم التالي علم أنهم عادوا كلهم إلى سوريا. فضحك سيادته متألماً، و أضحك من كانوا حوله، على غياب المبادئ و القيم و المثل العليا.
الهوامش
(6) مقابلة مع الرئيس الأسد في دمشق في 18 / 3 / 1988
و طبعاً معروفة اليوم النتيجة التي حصدها الفلسطينيون بسبب دعم النظام السوري للمنشقين، و هاهما فتح و حماس أصبح لكل منهما دولته!!
أما إيران فحدث و لا حرج، فقد أنكشفت نوايا إيران الحقيقية الرامية إلى إضعاف العرب و بث التفرقة بين الدول العربية من خلال قيامها بتحالفات خلبية لم تقدم لسوريا و لبنان و العراق إلا الخراب و المزيد من المشاكل. فهل نسي حكام دمشق أن الذي شارك سوريا في حربها ضد إسرائيل هي مصر و ليس إيران؟ و هل تقدم لنا إيران أي نموذج من نماذج التقدم أو الإزدهار أو التحضر لكي نتحالف معها؟ بالطبع لا، فإيران بلد تحكم بالنار و الحديد و لا تستطيع أن تصدر لنا سوى أساليب التعذيب و طبعاً...الشعارات الجوفاء!!
نأتي للإتحاد السوفيتي... ألم يكن العميد رفعت على حق عندما تنبأ بسقوط الإتحاد السوفيتي؟ أين هي الحكمة من معاداة أمريكا و أوروبا و إلى أين أوصلنا هذا الأمر؟
عندما ذهب العميد رفعت إلى موسكو عام 84 ألتقى هناك الرئيس الروسي و تبادل معه الحديث حول أوضاع منطقة الشرق الأوسط فكان مما قاله الرئيس الروسي: إننا في حالة حرب مع أمريكا (إشارة إلى الحرب الباردة) و إننا نعتبر سوريا حليفاً أسترتيجياً و بلداً مهماً لنا. فردَّ العميد رفعت: هل أنتم جادون فيما تقولون سيادة الرئيس؟ كيف لنا أن نصدق هذا و أنتم تُصَدِّرون لنا أسوأ أنواع الأسلحة؟
و الحقيقة لم يكن يوجد أي مؤشر على جدية الإتحاد السوفيتي على دعم سوريا و العرب في صراعهم مع اسرائيل. و لا حتى على جديتهم في اتخاذ موقف واضح من هذا الصراع. فعندما اجتاحت اسرائيل لبنان عام 1982 قامت بقصف السفارة الروسية في بيروت و قد فوجئ الجميع بعدم قيام الروس بمواجهة هذا العدوان و زاد الناس عجباً هو قيام الروس بدعوة الأطراف المتحاربة للتهدئة و كأن الذي أكل الضربة هو سفارة طوالستان!!
بعدها التقى العميد رفعت بالسفير الروسي و أعضاء الحزب الشيوعي السوري ووجه لهم انتقاداً شديد اللهجة و سألهم: (شاهد المقطع التالي)
و من المعروف للعسكريين طبعاً أن سوريا كانت تتلقى خردة الجيش الروسي و ناهيك عن ذلك لم يقوموا بتدريبنا على كيفية أستخدامها بل كنا ندفع ملايين الدولارات لتغطية مصاريف أكثر من 4000 خبير روسي (مع عائلاتهم) كي يقوموا بتشغيل هذه الأسلحة و خاصة أنظمة الصواريخ و الرادارات. و في حرب 82 رفض الروس تزويدنا بالأسلحة الحديثة التي كانت لديهم آنذك كما رفضوا تزويدنا بالمناظير الليلية، فكيف يُمكن الوثوق بهكذا حليف!؟ لهذا كانت توجهات العميد رفعت تقضي بأنه لا بد من مواجهة الواقع كما هو و اتخاذ قرار تغيير خريطة عمل السياسة السورية، بكل شجاعة، لتتوافق مع مصلحة البلد و مواطنيه. إلا إذا كان النظام السوري (و من خلفه حليفه) غير جاد بحروبه و لا يسعى إلى حسم الأمر.
و السؤال الذي تم طرحه على النظام السوري آنذاك: إلى متى ستبقى تخدع هذا الشعب بحروب لا طائل لها سوى تأمين استمرارك و حمايتك؟ و إلى متى يعيش المواطن السوري هاجس الحروب و قانون الطوارئ؟؟
الجواب كان و مازال: إلى أن نسترجع الجولان المحتل.
حسناً..لماذا لم تسترجع الجولان المحتل عندما كانت الفرصة سانحة لذلك عام 1979؟
قبل أن يذهب الرئيس السادات إلى واشنطن أتى إلى سوريا و قال للقيادة السورية: إني ذاهب لتوقيع إتفاقية سلام مع اسرائيل ستسترجع مصر من خلالها كل أراضيها المحتلة و سيتم فوق ذلك تقديم مساعدات أمريكية سنوية لمصر و أنا أقترح عليكم الذهاب حيث أنكم ستسترجعون الجولان المحتل كاملاً و ستأخذون فوقها مساعدات أمريكية سنوية كمصر. فقالوا له إنه لا يُمكن الوثوق بوعودهم و أن ما أخذ بالقوة لا يُسترجع إلا بالقوة. فقال حسناً، أنا سأذهب و سأجرب و إذا صدقوا معي فسيكون بإمكانكم حذو حذوي. و ما أن أدار السادات ظهره حتى انبرت الصحف السورية تصفه بالخائن و العميل و الناكث للعهود و الوعود!!
ربما تسأل عزيزي القارئ هل حدث هذا فعلا ً؟
نعم، لقد حدث هذا. كلنا نعلم أن اسرائيل قد أهتزت هزة عنيفة في حرب 73. و الذي هز اسرائيل ليس ضراوة الحرب فقط بل الذي هزها هو أنها فوجئت بالتخطيط المصري - السوري البالغ الدقة و العالي السرية حيث كانت هذه أول مرة تتفق فيها دولتان عربيتان على شن هجوم واحد في ساعة صفر واحدة. و اسرائيل، و مهما كانت قوتها و شدة صمودها، فإن هاجس أن تتعرض لهجوم مماثل في المستقبل قد أقضى مضجع قادتها لسنوات بعد أنتهاء الحرب. و لهذا سعت اسرائيل بكل الجهود الدبلوماسية لتوقيع اتفاقيتي سلام مع كل من مصر و سوريا برعاية أمريكية على أن تعيد هي الأراضي المحتلة للدولتين و على أن تقوم أمريكا بتقديم مساعدات سنوية لكلتا الدولتين.
لقد تمت مناقشة العرض الإسرائيلي - الأمريكي في القيادة السورية و قال العميد رفعت كلمته في هذا الإجتماع حيث أكد سيادته أننا يجب أن لا نضيع هذه الفرصة، معتبراً أن الإسرائيليون الذين يسعون اليوم للسلام لن يقدموا لنا فرصة كهذه في المستقبل وقال: لقد أتى هذا العرض نتيجة بسالة جيشنا و تضحيات جنودنا في حرب 73، لقد حاربناهم من أجل استرجاع الأرض و هاهم يعيدون الأرض لنا فلماذا نضيع ثمن دماء جنودنا؟ و قال العميد رفعت: إنهم يعرضون السلام علينا اليوم و إذا لم نقبل الآن سيأتي عليكم يوماً تهرولون فيه للسلام و لن تجدوا آذان صاغية.
و هذا ما حصل و يحصل إلى اليوم، فبعد انهيار الإتحاد السوفيتي و بروز أمريكا كدولة عظمى لم يعد الإسرائيليون معنيون بالسلام مع النظام السوري. و عرضهم السابق بإعادة الأرض مقابل السلام لم يعد قائماً. بل على العكس من ذلك حاول الإسرائيليون مراراً و تكراراً جر النظام السوري إلى الحرب المباشرة و ذلك اسخفافاً منهم بقدرات هذا النظام المتهالك. و بلغ أستخفافهم هذا إلى أن يقوموا باختراق الأجواء السورية متى شاؤوا، و أن يقصفوا فيها أهدافاً عسكرية و مدنية متى شاؤوا، و أن يُحلقوا فوق قصر "رئيس دولة الممانعة" متى شاؤوا أيضاً. و كالعادة، بعد كل اختراق و قصف اسرائيلي يخرج علينا واحد من الصعاليك و يقول بمنتهى الذل، الرد المناسب في الوقت المناسب. و المواطن يتسائل عن غياب الجيش و غياب الدفاعات الجوية حتى أصبح الناس يتندرون على النظام السوري الخائب بعد كل اختراق اسرائيلي للأجواء السورية. طبعاً ما كان لكل هذا أن يحدث لو استمع النظام السوري لنصائح العميد رفعت الذي استشعر سقوط الإتحاد السوفيتي قبل سقوطه بسنوات. و ما كان لهذا أن يحدث لو لم يقم النظام السوري بتدمير سرايا الدفاع التي كانت القوة العسكرية الأقوى في البلاد. و الحقيقة هي أن النظام السوري، الذي هاله انهيار الحليف، كان قد قام بوضع أحماله جانباً منذ أن كان الرئيس حافظ الأسد في السلطة، و بدلاً من شعارات الحرب و التوعد للعدو بدأت الصحف الرسمية السورية بنشر شعارات السلام العادل و الشامل! و إلى هذا اليوم يندر أن تخرج صحيفة رسمية من المطبعة ليس فيها صفحة مخصصة للمطالبة بالسلام. و ما أن يشتم النظام السوري رائحة سيناتور هنا و عضو كونغرس هناك حتى ترى صعاليكه يتهافتون للقائه و تطييب الأرض تحت قدميه!!
لقد كانوا يقولون للعميد رفعت أنت تريد أن تفرض علينا النموذج الأمريكي (إشارة لتعارض الديمقراطية مع الإشتراكية) و ذلك رداً على مطالبه بتحرير المواطن و الإقتصاد. فما بالكم الآن؟؟ هل مللتم الإشتراكية التي كانت (و مازالت) حبراً على ورق، أم أنكم أفقتم من غيبوبة الأربعين عاماً!
و لكن مهلاً، إن هذا لا يعني أن النظام السوري يعمل من خلال تقرُّبه من أمريكا على تحقيق ما كان يُطالب به العميد رفعت. لا، فشتان بين ما كان يُطالب به العميد رفعت و بين ما يقوم به النظام السوري. و كتوصيف دقيق نقول: إن النظام السوري، و بعد انهيار الإتحاد السوفيتي ما فتئ يحاول جاهداً أن يجد متنفساً له عند الأمريكان وذلك بالقدر الذي يؤمن له الإستمرار فقط. أما حقوق الإنسان و الديمقراطية فهي أمور لا يعنيه مجرد التفكير بها لأنها ببساطة تشكل التابوت الذي سينقله إلى عالم الأنظمة المنقرضة.
أما لماذا لم تحذو سوريا حذو مصر فإننا لا نرى سبب وجيه أللهم أن السلام يعني انتهاء حالة الحرب و عودة الحكم للدستور.
و هكذا أضاع النظام السوري فرصة قطف ثمار حرب 73 و أخذ السوريون يدفعون ثمن سياسات النظام الخاطئة. و بعد أن كان الإسرائيليون يعرضون علينا السلام و إعادة الجولان كاملاً مع المساعدات المالية الأمريكية، أصبحوا الآن يدللون أنفسهم على النظام السوري الذي يلهث ورائهم و يضعون شروطاً تعجيزية تنسف أي إمكانية للسلام كالإحتفاظ بمساحات كبيرة من الجولان و تجميد التحالف مع إيران ..الخ. أما المساعدات الأمريكية فلم تعد فكرتها قائمة أصلاً!
بالطبع لا نقول هذا شماتة بالنظام، فليست الشماتة من شيم الفرسان. و ما كان لنا أن نتطرق لهذه الأحداث لو أن النظام أعتذر للشعب عن سوء تقديره و خطأ تدبيره و باشر بإصلاح نفسه. بل الذي نراه هو أن النظام مازال يُكابر رافضاً الإعتراف بالخطأ و تراه يعمل (بطريقة مضحكة) على الترويج لأخطاءه على أنها إحدى إبداعات النظام القائم و واحدة من عجائب ما توصلت إليه عبقرية القائمين عليه.
و آخر تلك الإبداعات هي قيام النظام السوري بالتنازل بشكل رسمي عن لواء اسكندرون للجانب التركي!!
فهل كانت كل هذه المصائب لتحدث لو كان العميد رفعت الأسد بالبلد؟ بالتأكيد لا...
فقد كان العميد رفعت متيقظاً للأطماع التركية و متنبهاً للفراغ العسكري في شمال غرب سوريا. و لهذا فقد قام سيادته بتشكيل اللواء الجبلي بالقرب من منطقة كسب و تم تسليحه بمضادات الطيران و أجهزة الرادار المتطورة آنذاك. و كان من المقدَّر لهذا التشكيل أن يصل لملاك فرقة كاملة قادرة على صد أي هجوم أو خرق من الجهة الشمالية و الساحلية.
و أيضاً أثبتت الأحداث أنه لم يكن هناك من داع ٍ لمعاداة الرئيس ياسر عرفات لأن معاداته لم تقدم أي شيئ للشعب الفلسطيني و قضيته، بل عملت معاداته على تعزيز الإنشقاقات داخل السلطة و خارجها مما أضعف موقف المفاوض الفلسطيني و شتت فرص السلام التي كانت متاحة آنذاك.
و مما كان يقوله العميد رفعت في اجتماعات القيادة القطرية :"لماذا نعادي رئيس منظمة التحرير الفلسطينية؟ كيف نعادي رئيس الجهة الوحيدة المتعارف عليها فلسطينياً و دولياً؟ و لماذا ندعم المنشقين عمَّن يمثل الشرعية الفلسطينية؟
و لكن هذا لا يعني أن سيادة القائد لم يكن مهتماً بمساعدة لبنان بل على العكس لقد كان سيادته مهتماً جداً بمساعدة لبنان و لكن ليس بفرض الوصاية عليه:
نعم، لقد كان العميد رفعت الأسد متحمساً جداً للشباب و قد عمل سيادته كل ما بوسعه للإرتقاء بمستوى شباب سوريا على كافة الأصعدة، فعمل على فتح المراكز العلمية و التأهيلية و المراكز الخاصة بالبحوث و بنى لها العديد من المنشآت في دمشق و حلب و اللاذقية.
أما دورات المظليين فإنها واحدة من إعجازات العميد رفعت الأسد على مستوى سوريا و العالم العربي. و لقد كان لهذه الدورات التي أحتضنت أكثر من 100 ألف فارس و أكثر من 10 آلاف فارسة، كان لها صدى طيب عند كل السوريين و الدليل على ذلك هو تدفق عشرات الألوف لتقديم طلبات الإلتحاق بالدورة بمجرد الإعلان عن بدء قبول طلبات الإلتحاق بها. و حتى الرئيس حافظ الأسد قام بإرسال أولاده للإلتحاق بالدورة فأرسل المرحوم باسل و أرسل بشار. و قد استفاد بشار من ميزة العلامات الإضافية مما أهله لاحقاً للإلتحاق في كلية طب العيون.
المظلي بشار الأسد
الفرسـان المظليون