


خاتمة
مضت بعد ذلك شهور طويلة لم تظهر فيها كلمة واحدة عن رفعت في الصحافة السورية، رغم أن الحملة استمرت لاقتلاع ماتبقى من نفوذه. فسرايا دفاعه التي كانت معتزة بنفسها ذات يوم تضاءلت إلى حجم فرقة من عشرين ألف رجل: فقد سرحت أعداد كبيرة، أو نقلت إلى وحدات أخرى مثل الحرس الجمهوري الذي يقوده عدنان مخلوف، أو القوات الخاصة التي يقودها علي حيدر. وألقي القبض على عدد من ضباط رفعت الهامين، وقيل إن عدداً منهم قد أعدم بالرصاص. وأبعد بالقوة عدد من المدنيين الموالين له من المجمع السكني للفرسان. ولم يكن هناك شيء جارح لسيد أو مولى من طراز رفعت أكثر من العجز عن حماية أتباعه. وصدرت الأوامر لأعضاء حزب البعث بترك رابطة خريجي الدراسات العليا، التي بدأت تذبل بغياب راعيها ذي النشاط الحيوي وكان لرفعت ممتلكات في أيام عزه موزعة في جميع أنحاء دمشق، وكانت تسبب الإزعاج للسكان المحليين لأنها كانت محاطة بالحواجز التي تسد الطرق. وقد أزيحت هذه بدون ضجة، وأصبح باستطاعة الناس التمتع بالسير جيئة وذهاباً في الشوارع التي كانت يوماً محرمة عليهم.
وفي الأول من آب سنة 1984، وفي حركة لتشديد الضغط ثانيةً تم تجميد حفنة من القادة الحزبيين البارزين المقربين من رفعت. وقد سبق ( في 1980) أن كان ذلك مصير محمد حيدر نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية سابقاً، والذي جمع ثروة طائلة، وبنى لنفسه دارة في الزبداني، المنتجع الجبلي القريب من دمشق، وزوج إحدى بناته لأحد أولاد رفعت. وكان من الذين سقطوا أيضاً ناجي جميل السيء الحظ ، والذي كان قد فقد منصبه كقائد للقوة الجوية في آذار/ مارس سنة 1978 لمعارضته رفعت وكان قد تصالح معه، فخسر ثانية، وكان ذلك من المفارقات. وفي اللاذقية صودرت ممتلكات جميل الأسد الذي كان مسيطراً ذات يوم. وفي أيلول/ سبتمبر 1984 كانت المقاعد الجامعية وقفاً على من حصلوا عليها بدرجاتهم الفعلية الحقيقية فقط. واضطر بعض مظليي رفعت الشبان، بعد حرمانهم من العلامات الزائدة أن يقضوا سنة إضافية في دراستهم الثانوية.
وظهرت إشارات مختصرة لحرب الأخوة في الكتب والمطبوعات وكثرالحديث عنها فمثلاً كتب البعثي القديم والجامعي السابق حافظ الجمالي قصةً خرافية ذات مغزى في جريدة الحزب. وهي تحكي أن سكان مدينة وهمية يؤمرون في لحظة أزمة أن يطفئوا جميع الأضواء، وتشعل امرأة عجوز شمعة، فيلقى القبض عليها ويحكم عليها بالإعدام. ومع ذلك تدعو في لحظة إعدامها أن يمد اللّه في عمر الحاكم. وتوضح ذلك بقولها: (( إذا مات فقد يأتي من هو أسوأ )) وبدا أن المغزى من القصة هو أن الأسد أفضل من أخيه. ومن المؤشرات الأخرى على المناقشات التي كانت تدور همساً بين الناس مسرحية للكاتب الدرامي العلوي المعروف سعد اللّه ونّوس عن صراع على السلطة بين ملك ووزيره، وكان عنوانها (( مغامرة رأس المملوك جابر)). وقد أنتجت وقدمت على المسرح حتى قبل أن تنتهي الأزمة.
أما الغموض الذي ظل يحيط علاقات الأسد بأخيه، فقد انقشع رسمياً في 11/ أيلول- سبتمبر 1984 عندما نشرت المجلة الإخبارية الألمانية الغربية دير شبيغل مقابلة مع العماد طلاس، وزير دفاع الأسد، أعلن فيها أن رفعت شخص غير مرغوب فيه بشكل دائم. وهكذا أخرج الشجار أخيراً إلى العلن.

- لقد قال باتريك سيل أن الرئيس الأسد قد تعهد بحماية أرصدة العميد رفعت، و سرايا الدفاع كانت من أهم أرصدته. و مع ذلك، و رغم حاجة سوريا الماسة لسرايا الدفاع و قوتها العسكرية الضاربة، فقد نقض الرئيس عهده و قام بتدمير سرايا الدفاع... فما هي الأسباب؟
الأمر ببساطة يعود إلى سببين:
أولاً: سايكولوجية النفس البشرية. فالرئيس الأسد، الذي وجد نفسه عاجزاً عن مواجهة سرايا الدفاع في السابق و الذي أختبر بنفسه شدة ولاء جنودها للعميد رفعت، لم يعد قادراً على التعايش مع قادتها و لا حتى السماع بإسم سرايا الدفاع. و حتى جنود سرايا الدفاع لم يعد الرئيس يرغب بوجودهم في الجيش.
ثانياً: تعارض طبيعة و مواصفات قادة سرايا الدفاع المعروفين برجولتهم و شجاعتهم و صراحتهم التي زرعها العميد رفعت في نفوسهم مع مواصفات الضباط و القادة المحيطين بالرئيس الأسد و الذين اعتادوا على تنفيذ الأوامر دون أي نقاش.
و لم تكن سرايا الدفاع و جنودها هي وحدها التي حقد عليها الرئيس حافظ الأسد، بل إن هذه الأزمة قد خلقت عند الرئيس حقداً حتى على وحدات الجيش الأخرى ذلك أنه أكتشف أن أغلب قيادات هذه الوحدات كانوا موالين للعميد رفعت.
فقام الرئيس بتسريح و نقل و تحجيم نفوذ المئات من ضباط الجيش و قادته الذين كانوا موالين لسرايا الدفاع و قائدها. كما قام بطرد مئات ضباط الجيش من بيوتهم التي كان قد قدمها لهم العميد رفعت. أما سرايا الدفاع، فما أن غادر العميد رفعت البلد حتى باشر الرئيس بالإشراف شخصياً على عملية تفتيتها و تدمير قوتها العسكرية و بنيانها العقائدي. فأصدر الأوامر باعتقال عدداً من قادتها و تجريدهم من رتبهم العسكرية و قام بتسريح و نقل عشرات الضباط و آلاف الجنود إلى وحدات أخرى. و خلال أسابيع تضائل حجم سرايا الدفاع من 55 ألف إلى 25 ألف مقاتل و قد أضطر الرئيس إلى الإبقاء على هذا العدد بسبب المشاكل و الإضطرابات التي نتجت عن عملية التسريح التعسفي لهذا الكم الهائل من الضباط و الجنود.
وسمح نفي رفعت للمجتمع السوري بأن يقوم بعملية تكفير، فلقد غادر مشيعاً باللعنات، وكأنه لم يكن يحمل خطايا سرايا دفاعه وطراز حياته المنغمس في الملذات فحسب، بل كذلك كل تجاوزات ثورة البعث. وكأنما كانت أخطاؤه تبرز للوعي العام فضائل الأسد. ومع ذلك فقد كان من المفارقات أن يقوم بلد مضطرب ثائر من بلدان العام الثالث بنفي كبش فدائه... إلى سويسرا الجميلة اللطيفة المحايدة.
وكما يليق بثري جليل مهيب، كان يرافق رفعت أكثر من مائة من المساعدين والحراس، وهذه حاشية باهظة التكاليف قيل بأن العقيد الليبي معمر القذافي ساعد في تمويلها لإبقاء رفعت خارج سوريا. غير أن الاحتفاظ بجيش خصوصي في فنادق سويسرا يبهظ أية محفظة، حتى ولو كانت في عمق محفظة رفعت. وعلى أية حال فقد كانت هناك مشاكل بخصوص تأشيرات الإقامة (الفيزا) تطلبت مفاوضات مطولة مع السلطات السويسرية. وبحلول شهر أيلول/ سبتمبر كان الكثيرون من رجال رفعت قد اتخذوا سبيلهم عائدين إلى سوريا بينما انتقل رفعت إلى فرنسا مع بقية طاقمه المتناقص من الحرس، والخدم ، والزوجات والأطفال. ولكن دمشق لم تكن سعيدة ببقاء هذه الشخصيات الفاقعة البروز المجاهرة بالرأي طليقة هناك. وعندما نجا وزير الخارجية خدام بأعجوبة من الموت بواسطة سيارة مفخخة قال المتشككون بأن ذلك من عمل رفعت. ومما أغضب الأسد كثيراً ورود تقرير عن لقاء رفعت بعرفات في جنيف. وعندما وصلت أخبار بأن رفعت يعتزم إصدار مجلة معادية للنظام وحتى إفتتاح محطة إذاعة، قررت دمشق أن الوقت قد حان لإعادته إلى البلد.
وظل رفعت محتفظاً بلقب نائب رئيس الجمهورية، كما أن الأسد نفسه لم يهاجمه علناً... وبذلك أبقى في ذهن العامة شكاً مستمراً حول الطبيعة الحقيقية لعلاقاتهما. وفي العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 1984 صدر مرسوم جمهوري يعهد إلى رفعت بالإشراف على الأمن القومي، مما يجعله - نظرياً - الآمر المهيمن على منافسيه جميعاً وفي السادس والعشرين من الشهر نفسه عاد إلى دمشق، فزار القصرَ الجمهوري، وركعَ وقبل يد أخيه، ولكنه لم يكن قد سومح. وكانت وظيفته الأمنية صورية. فقد مُنِعَ من تجديد الاتصال بسرايا دفاعه المقلصة الحجم، ووجد نفسه محاصراً أَنَّى تَوَجّه. وكان من المؤلم لرجل كان يتمتع يوماً بحرية مطلقة غير مقيدة أن يجد نفسه عرضة لمثل هذا التضييق.
ووصل الصراع الممتد المتطاول بين الأخوين إلى نهايته الرسمية في المؤتمر القطري الثامن لحزب البعث الذي انعقد في دمشق من الخامس إلى العشرين من كانون الثاني/ يناير 1985 والذي حضره 780 عضواً من مختلف أنحاء البلاد. وكان رفعت حاضراً باعتباره عضواً في القيادة القطرية غير أنه كان بمثابة الواقف في قفص الاتهام، فتعرض لكثير من النقد. كان كل واحد في المؤتمر يعرف كيف نجت سوريا بأعجوبة من صراع مميت بين الأخوين.
وكانت أنظمة الحزب تقضي بأن ينتخب المؤتمر لجنة مركزية. وقد وسعت هذه اللجنة من 75 عضواً إلى 90. وهؤلاء الأعضاء بدورهم ينتخبون القيادة القطرية الجديدة، أعلى قمم السلطة في الحزب. ولكن القواعد المكتوبة نحيت جانباً في المؤتمر القطري الثامن. ومُنِحَ الأسدُ، بطل الساحتين الداخلية والخارجية، المنتصر في الصراع من أجل لبنان وفي أزمة الخلافة، صلاحيات خاصة وسط التأييد والتصفيق. واعترافاً ببروز قيادته بلا منازع كلفه الأعضاء بمهمة القيام بنفسه شخصياً باختيار وتسمية أعضاء اللجنة المركزية. وكانت تلك إشارة إلى الثقة بالساحر السياسي الذي أوقف الإنزلاق في حرب أهلية. وتلطف الأسد فتكرم بحضور كل جلسة من جلسات المؤتمر، متمتعاً بالتمجيد الكبير. وبعد ثلاثة أسابيع، في 10/شباط - فبراير انتخب رئيساً للجمهورية لفترة ثالثة مدتها سبع سنوات، بأغلبية 99,97 بالمائة من الأصوات.
لقد انتصر الأسد. ولكن مؤسسات دولته كانت قد وقفت عاجزة ولم تحسن التصرف خلال الأزمة. وفي لحظة الخطر اضطر إلى النزول بنفسه إلى الشارع لتنظيفه من الدبابات. فالضوابط والقيود، والتوازن، ومجلس الشعب، والمنظمات الشعبية، وحتى الحزب نفسه بتركيبه الواسع الانتشار في البلد وفي الجيش - كل أولئك لم يكونوا ذوي نفع عندما راح الجنرالات الطموحون يهددون بتصفية حساباتهم بالرصاص. وفي خاتمة المطاف كانت سلطة الأسد الشخصية وحدها هي التي أبقت على تماسك البلد.. فقد كان هو العمود الوحيد الذي يرفع الخيمة. ولم تكن هذه نبوءة جيدة توحي بأي خير للمستقبل.
وفي تلك الأثناء غادر رفعت إلى أوربا ثانية. وقد تحطمت آماله في إعادة تأهيله. ولم تنحسر أو تتناقص قسوة الأسد على أخيه. ورغم أنه كان متعلقاً برفعت ومديناً له بالكثير، فإن الدفاع عن الخط السياسي الذي كان ملتزماً به قد تغلب على العاطفة أو التعلق العائلي. وقد ظل مقتنعاً بأن رفعت، عن قصد أو بدون قصد قد تورط مع قوى أجنبية في محاولة إنقلاب ضده وضد سياساته، وهذا شيء لم يكن يستطيع أن يضرب عنه صفحاً.
وفي أيار/ مايو سنة 1986 عندما كان رفعت قد استقر في باريس بالأبهة التي تحيط عادة بالملوك في المنفى، قام بزيارة غير معلنة لبريطانيا. وقد سبقه أربعة حراس شخصيين مسلحين يحملون جوازات سفر مغربية، فقامت السلطات البريطانية بتوقيفهم في هدوء. ثم هبطت طائرتان خاصتان تحملان رفعت وأفراد عائلته، والخدم والحشم ورجال الأمن- كان مجموعهم أربعين شخصاً ومع كثيرين منهم جوازات سفر مغربية أيضاً. وسمحت الحكومة البريطانية لهم، بالدخول، ولكنها أرسلت إلى الحكومة السورية عبر القنوات الدبلوماسية تطلب توضيحاً عن مكانة ووضع الزائرين. فكان جواب الأسد السريع: (( إننا نتوقع من بريطانيا أن تتصرف بالطريقة الصحيحة تجاه حملة جوازات السفر السورية السارية المفعول. أمّا ماتفعله بريطانيا بحملة جوازات السفر الأخرى فليس من شؤننا بحال)).

- ذكي أنت يا باتريك سيل ... لقد ذكر (نقلاً عمن تحدث إليهم من المسؤولين الفاسدين) أن العميد رفعت قد غادر مشيعاً باللعنات، و لكنه كي يُبيِّن لهم أن لعبتهم و لعبة النظام هي ألعاب مكشوفة، فقد أردف على الفور ليؤكد أن مغادرة العميد رفعت قد سمحت للنظام بنفي كبش فداءه.
و ربما تلخص الجملة الأخيرة كل أهداف النظام من التآمر على العميد رفعت.
و السؤال: ما الذي دفع باتريك سيل لزجِّ مصطلح "كبش فداء" في حين أن روايته كلها تتمحور حول رجل قيل أنه تآمر على نظام بلده للإنقلاب عليه؟ فالمتآمر يُعاقب و ينال جزاءه و لا يُقال عنه كبش فداء!
نجيب: بالإضافة إلى أنه لم تنطلي على رجل عاقل مثله اتهامات النظام للعميد رفعت بالتآمر، فإن باتريك سيل الذي درس بعناية استماتة النظام السوري للبقاء في السلطة، لم يستطع أن يجد سبباً واحداً يحمل نظاماً كهذا على التخلي عن أقوى قياداته، و على تدمير أقوى قوى جيشه، إلّا إذا كان هذا الإجراء سيضمن أو يعزز بقاء النظام. و لعل باتريك سيل توصل إلى الإستنتاج الذي يقول أن اتهام العميد رفعت بالتآمر لم يكن سوى ذريعة وهمية تم اللجوء إليها لتهيئة الرأي العام ضده أولاً، و إلقاء الأخطاء عليه ثانياً. و هذان الأمران كفيلان بإنضاج عملية تقديم شخصية إعتبارية كالعميد رفعت الأسد ككبش فداء لأخطاء النظام ثالثاً.
و قد سبق باتريك سيل إلى هذا الإستنتاج شخصيات سياسية و قيادية عديدة و تسائلوا: كيف للنظام السوري أن يتخلى عن ذراعه الأقوى؟
هل نجد الجواب في كتاب الأمير لمكيافيللي؟!!
دعونا نستوضح الأمر قليلاً: كلنا نذكر الفترة العصيبة التي مرَّت على سوريا، نظاماً و شعباً، خلال السنوات الثلاث الممتدة من 1979 إلى 1982. حيث لم يكن يمر يوماً إلّا و فيه أخبار عن قتلى و جرحى جراء الصدامات بين السلطة و الخارجين عن القانون. هذه الصدامات أدت، كأي حرب داخلية شرسة، إلى سقوط المئات من الضحايا الأبرياء و أشعلت في الشارع السوري غضباً عارماً يُضاف إلى الغضب القائم أصلاً جراء قمع الحريات و فرض قانون الطوارئ. يُضاف إلى هذا أيضاً أخطاء سياسة النظام الخارجية التي ورطت سوريا و جعلتها في عداء مع المجتمع الدولي. و لإيجاد مخرج له، أعتقد النظام أن الشعب سيغفر له كل أخطاءه إذا ما قام بتقديم كبش فداء ثميناً للتكفير عنها.
فتم انتقاء كبش الفداء بعناية بالغة، سبقها عمليات تشويه لمسيرته كي يتم تقديمه لاحقاً على أنه هو المسؤول عن كل هذه الأخطاء آنفة الذكر، و هو وحده المسؤول عن الفوضى في البلد. و كان يتبع للقصر الجمهوري قسم خاص في إدارة المخابرات العسكرية لم يكن له عمل سوى تغذية الشائعات التي تنال من سمعة العميد رفعت و تحضير الرأي العام لقبول و تشجيع أي تآمر عليه. و قد أشار الكاتب إلى كتاب حافظ الجمالي و مسرحية سعد الله ونوس و هي نشاطات لايُمكن أن يُسمح بها في سوريا إلّا إذا كان هناك توصية و رعاية أمنية لها.
و قد كان العميد رفعت يعلم هذا و هاهو يستعرض كيف وصل الأمر مع من أرادوا النيل من سمعته إلى أن يخوضوا حتى بالمسائل الشخصية:
هذا المسكين، رأى الناس تأكل بلا حسيب و لا رقيب فأكل معها، و هو لا يعلم أن كل تحركاته و نشاطاته كانت تخضع للمراقبة و التوثيق طيلة عشرون عاماً. و كان من الممكن له أن يستمر بمنصبه لولا حظه المتعوس بأن وقع الأختيار عليه ليكون أول ذبيحة يتدرب المدلل بشار عليها و يجعل منها عبرة للآخرين. فأمر الرئيس حافظ الأسد أجهزة المخابرات بتسليم ملفات فساد المرحوم الزعبي لأبنه بشار ليفتحها على الملئ و يفضح صاحبها.
و هنا أدرك كل المسؤولين الآخرين من رفاق الزعبي أن لهم في أدراج المخابرات ملفات كملفات الزعبي تماماً، و أن جُلَّ ما يستطيعون عمله لحماية أنفسهم هو أن يشدّوا على أيدي بشار و يشهدوا له بسداد الرأي و نفاذ البصيرة و القدرة على القيادة و لا ننسى طبعاً ..الحنكة السياسية!!

و بالنسبة لرابطة خريجي الدراسات العليا فقد كانت بحق واحدة من أعظم إنجازات العميد رفعت و كما قال باتريك سيل كانت هذه الرابطة تجمع آلافاً من أكفأ مثقفي سوريا تحت مظلة واحدة ليتكاملوا معاً و يتبادلوا الخبرات و يعملوا على إيجاد السبل الكفيلة بتطوير سوريا و إلحاقها بركب بالدول المتقدمة علمياً و تكنولوجياً. و إذ قارن باتريك سيل بين أعضاء الرابطة المتحررين فكرياً و بين أعضاء حزب البعث البيروقراطيين نقول أن قيام القيادة بوقف نشاط رابطة خريجي الدراسات العليا قد أتى لتكريس البيروقراطية و القضاء على روح المبادرة و الإبداع لدى مثقفي سوريا.
و حتى مؤسسات الدولة لم تسلم فتم طرد عشرات المدراء و تعيين من هم أقل كفاءة بدلاً منهم شرط تقديم الولاء للرئيس فقط. و باختصار، كل من يثبت أنه تعاطف مع العميد رفعت و لو بشطر كلمة فإنه تعرض للإعتقال و التسريح أو الطرد، مدنياً كان أو عسكرياً.
على الصعيد الحزبي، يسترسل باتريك سيل و يذكر أنه تم طرد العديد من الكوادر الحزبية التي كانت معروفة بولاءها للعميد رفعت الأسد. و مع أنه معلوماً أن قد تم طرد المئات من القياديين الحزبيين على خلفية ولائهم للعميد رفعت فقد قام باتريك سيل بذكر أسم الوزير السابق محمد حيدر مشهّراً بثروته، و أسم العماد ناجي جميل الذي وقع ضحية ولاءه مرتين حسب تعبير الكاتب. و لا ندري من أي كاذب قد استقى باتريك سيل معلوماته عن ثروة الوزير حيدر. فهل كل من يملك بيتاً بالزبداني يُعتبر ثرياً؟ هذا إن كان يملك بيتاً هناك أصلاً. على كل حال إن ما نعلمه جيداً هو أن محمد حيدر كان يسكن في بيت لسرايا الدفاع في منطقة المزة بدمشق و قد تم طرده منه. و في هذا المقام أود أن أهمس بأذن باتريك سيل و أقول: لقد ذكرنا سابقاً في تعليقنا على ما كتبه مصطفى طلاس أننا نتحدى أنه كان يوجد في سرايا الدفاع ضابطاً ثرياً مهما كانت منزلته أو حظوته عند قائد سرايا الدفاع. و هذا الأمر ينطبق على كل من كان مقرباً من العميد رفعت سواء كان وزيراً أو ضابطاً في الجيش أو أي شيئ آخر. أما اتهامهم بالثراء فذلك له أسبابه. و حتى تتوضح هذه الأحجية للقارئ نقول بأن العميد رفعت لم يكن ليرضى أن يرى الناس حوله إلا وهم يعيشون حياة كريمة لا ينقسهم فيها شيئ. فكان يجود على الجميع بالبيوت و السيارات التي هي أصلاً مملوكة لسرايا الدفاع و كان يوزع معونات مالية لتفي بمتطلبات حياة الضباط و الجنود و عائلاتهم و بالتالي القضاء على إمكانية تورطهم بالفساد و الأعمال الغير مشروعة. و بالمقارنة كانت الناس ترى كيف أن أغلب ضباط و جنود وحدات الجيش الأخرى يضطرون للعمل كسائقي تاكسي أو بائعين جوالين أو مهربين لسد حاجاتهم و حاجات عائلاتهم. و هذه المقارنة هي التي جعلت الناس تعتقد بثراء ضباط سرايا الدفاع و ثراء من كانوا مقربين من قائد سرايا الدفاع أو محسوبين عليه.
أما لماذا أختص الكاتب الوزير محمد حيدر و العماد ناجي جميل فذلك له أسبابه و ها نحن نقصُّها هنا لأهميتها في تعزيز القدرة على فهم ماحدث عام 1984:
لقد ذكرنا سابقاً أن الأستاذ جميل الأسد ذهب إلى منزل العميد رفعت و أبلغه أنه سيواجه متاعب مع الرئيس الأسد بسبب اتهامات بالتآمر على قلب نظام الحكم. و ذكرنا أن العميد رفعت رد على اتهامات الرئيس بأن قال أنه مستعد للمحاكمة في حال إثبات ذلك.
بعدها بيومين قام الرئيس حافظ الأسد بالإجتماع مع الوزير السابق محمد حيدر و العماد ناجي جميل - و حسب ما نُقل عن العماد ناجي جميل - فقد تحدث إليهما الرئيس مطولاً و هو يشرح وجهة نظره و كلفهما بنقل رسالة شفهية للعميد رفعت مفادها أنه لا مصلحة للعميد رفعت سوى أن يكون مع نهج النظام.
فذهبوا و أوصلوا الرسالة.
فقال لهم العميد رفعت ماذا يقصد الرئيس بكلمة نهج؟ أذهبوا و أسألوه كيف هو هذا النهج و كيف أكون مع النهج؟
رجعوا و أخبروا الرئيس. فقال لهم هو يعلم ما أقصده اذهبوا و قولوا له هذا.
ذهبوا و قالوا للعميد رفعت نرجوك أن تُريح سيادة الرئيس و هو يقول لك أنك تعرف ما يقصده.
فكتب العميد رفعت كتاباً أقر فيه أنه مع نهج حزب البعث العربي الإشتراكي في الوحدة و الحرية و الإشتراكية و أنه مع الأهداف التي قاموا لأجلها بالحركة التصحيحية.
فقالوا له نعتقد أن هذا هو مايريده الرئيس و عادوا لمكتب الرئيس فرحين و معهم كتاب العميد رفعت.
قرأ الرئيس الكتاب و قذفه و قال لهم أذهبوا إليه و قولوا له أنت تعلم ما يريده الرئيس بالضبط.
فذهبوا مذهولين لمكتب العميد رفعت و نقلوا له الذي حصل و الذي قاله الرئيس.
فضحك العميد رفعت و قال: طبعاً أنا أعلم ما يريده الرئيس، هو يريدني أن أقول نعم نعم نعم لحافظ الأسد، و لا رأي سوى رأيه و لا قرار سوى قراره، الذي يريد أن يسرق من المسؤولين فليسرق و الذي يريد أن ينهب فلينهب المهم أن يكون مع حافظ الأسد، أما مؤسسات الدولة المتهالكة و مشاريعها الفاشلة و أقتصادها المنهك و سياستنا الخارجية الخاطئة و الشعارات التي ناضلنا من أجلها فإلى الجحيم. هذا ما يريده الرئيس إذهبوا و قولوا له ذلك.
فقالوا للعميد رفعت ليس من المعقول أن يطلب الرئيس منك ذلك. فقال لهم حسناً، إذا لم تكونوا مقتنعين بما أقول أذهبوا للرئيس و قولوا له ما قلته لكم.
ذهبوا و قالوا للرئيس: إن العميد رفعت يقول أنك تريده أن يؤيدك أنت أياً كان أسلوب الحكم و أن لا يعترض أو يناقش أحد قرارك.
فغضب الرئيس و قال و ما الضير في ذلك؟ و لماذا تعترضون على قراري؟ أنا رئيس البلد و أنا الذي أقودها و أنا الذي أقرر فيها.
الوزير محمد حيدر و العماد ناجي جميل فوجئا بما سمعاه من الرئيس و أدركا أن العميد رفعت كان محقاً باعتراضه على أسلوب حكم الرئيس. و بعد أن كان الرئيس قد اختارهم كمبعوثين له للعميد رفعت، صب الرئيس جام غضبه عليهم و تعرضوا لمضايقات استثنائية بما فيها طرد الوزير حيدر من المنزل الذي كان قد خصصه له العميد رفعت في أبنية الضباط بالمزة. و كانت معاناتهما الكبيرة هي التي رشحتهم لأن يكونوا الأمثلة التي أعتمدها باتريك سيل و هو يروي ما تعرض له مؤيدوا العميد رفعت من التنكيل و التعذيب.
تحدث الكاتب أيضاً عن ممتلكات العميد رفعت ذاكراً أن بعضها كان يُزعج السكان المحليين!! و أعتقد أن الكاتب يقصد المنزل الذي يقع على أستراد المزة بدمشق حيث كان يوجد حاجز من الإسمنت المسلح لحمايته و حماية المبنى الذي كان مقراً للأمم المتحدة و منزل السفير البريطاني و أيضاً حماية بيوت الجوار من هجمات السيارات المفخخة و قد حدث أن تم تفجير سيارة مفخخة للنيل من العميد رفعت و لولا هذا الحاجز لسقط العديد من سكان الجوار قتلى أو جرحى و الذي نعرفه أن الجوار كانوا مرتاحين جداً لهذه الإجراءات الأمنية. و بعد أن تمت عملية إزالة هذا الجدار قامت جماعية إرهابية بتفجير سيارة مفخخة بنفس مكان تواجد الجدار في عام 2004 و سقط العديد من الضحايا بين قتيل و جريح و تسائل السكان عن أسباب إزالة الجدار الذي كان يحميهم. أما إذا كان المقصود الحاجز الذي كان مبنياً أمام مكتب الشعلان فنحن نعلم أن الحاجز قد بقي لسنوات حتى بعد أن غادره العميد رفعت. و حتى لو كانت هذه الحواجز قد أزعجت البعض فإنها لا تُقارن بالتأكيد مع الحواجز التي تُحيط بمنزل و مكتب الرئيس بالمهاجرين و التي لا تزعج سكان الجوار فحسب بل إنها تزعج سكان دمشق جميعاً. فسكان الجوار يعيشون جحيماً لا يُطاق إذ ممنوع عليهم فتح نافذة أو حتى النظر من خلالها و ممنوع عليهم استقبال الزوار، و إذا أراد أحدهم استقبال قريباً أو زائراً فعليه تقديم بياناته لمفرزة الحراسة و هي التي تقرر إذا كان يمكنه الزيارة أم لا. أما معاناة سكان دمشق فهي تتمثل في أنه ممنوع عليهم ركوب الدراجات النارية في دمشق و ممنوع لسيارات البيك آب أو سيارات الدفع الرباعي عبور أي من الشوارع المحيطة بمنزل الرئيس و مكتبه، و أقصد شوارع المهاجرين و المالكي الرئيسية و الفرعية.
بالنسبة للمظليين فنحن نؤكد أن كل من أتبع دورة مظليين قد نال نصيبه من العلامات الزائدة. أما قول الكاتب أنه قد تم حرمان البعض منها فهذا يُعيب القيادة التي اتخذت قراراً تعسفياً كهذا بحق شباب سوريا ممن لا ذنب لهم بكل هذه الأحداث التي نناقشها.
أما أهم ما دمره الرئيس حافظ الأسد و خسرته سوريا فهو بنيان سرايا الدفاع العقائدي الذي انبثق عنه وصول أفرادها إلى مراحل متقدمة من الوعي النضالي و الإيمان القومي. و هاهو قائد سرايا الدفاع يؤكد هذه الحقيقة:
أما المسكين الزعبي فقد قيل أنه أنتحر لاحقاً، مما أسدل الستار عنه و عن ماضيه. أما لماذا لم تُفتح ملفات الزعبي من قبل فلأنه لم يكن قد حان أوان فتحها بعد.
غادر العميد رفعت مرة أخرى بالرغم من رجاء الرئيس له أن يبقى بالبلد حيث قال له الرئيس خذ ما تريد و أبقى إلى جانبي في سوريا و تمتع بحياتك هنا. إلا أنه بقي مصراً على عدم المشاركة في هذه المهازل و على عدم تحمل مسؤولية ما سينتج عنها أمام الشعب السوري. و ها نحن نرى نتيجة هذه المهازل بأم أعيننا.
نأتي على إنتصار الرئيس!! بالله عليك سيد سيل أي أنتصار هذا الذي تتحدث عنه و أنت بنفسك تقول أن كل مؤسسات الدولة بما فيها مجلس الشعب و المنظمات الشعبية و الحزب بتركيبته الواسعة كانت ليست ذو نفع عندما تعرضت البلاد للأزمة؟
و حيث قال الكاتب أن سلطة الأسد الشخصية هي التي أبقت على تماسك البلد نقول أن هذا هو بعينه ما كان يعارضه العميد رفعت.. كان العميد رفعت و مازال يُعارض أن تكون الدولة مبينة على رجل واحد ما أن يتهاوى حتى تتهاوى كل مؤسسات الدولة معه.
بلا شك، إن الذي أنتصر يا سيد باتريك هو عاطفة العميد رفعت و محبته لأخيه و إخلاصه له. و أنت عزيزي القارئ تدرك الآن أن كل مؤسسات الدولة بما فيها الجيش كانت أعجز من أن تصمد أمام لواء واحد فقط من ألوية سرايا الدفاع و إلّا لما أضطر الرئيس أن ينزل بنفسه إلى الشارع لتنظيفه من الدبابات كما قال السيد سيل!!
و خلال المدة التي قام فيها العميد رفعت بزيارة سوريا و قيامه بتهدئة أتباعه كان الرئيس و نظام حكمه قد تنفسا الصعداء. و بعد مغادرة العميد رفعت لسوريا أصدر الرئيس الأوامر باعتقال قادة سرايا الدفاع و تجريدهم من رتبهم العسكرية و قام بتسريح مئات الضباط و آلاف الجنود و لو استطاع نفيهم إلى قارة ثانية لفعل. أما باقي الضباط و الأفراد فقد قام بتوزيعهم على بقية وحدات الجيش بعد أن أجبروهم على توقيع تعهد بالولاء للرئيس حافظ الأسد و عدم القيام بذكر اسم سرايا الدفاع أو أسم قائد سرايا الدفاع. و تم تهديد من لا يُوقع على هذا التعهد بالسجن و تشريد عائلته عن طريق حرمانهم من السكن العسكري الذي كان أحد ميزات جنود سرايا الدفاع دوناً عن أفراد الجيش. و هكذا أنتهت سرايا الدفاع نظرياً.
أما عملياً فقد بقي قائد سرايا الدفاع رمزاً للعزة و الكبرياء في سوريا بالرغم من كل التشويه التي تعرضت لها سيرته و إنجازاته. و بقي جنود سرايا الدفاع أوفياءً لقائدهم المفدى و رهناً له و لأوامر سيادته.


إذاً غادر العميد رفعت البلد و ذهب إلى جنيف و من هناك بدأ يعمل على رصِّ الصف العربي لدعم القضية الفلسطينية و الوقوف ضد الأطماع الإيرانية في الوطن العربي. و عمد سيادته إلى التوجيه بإصدار العديد من الصحف و المجلات التي تعني بالديمقراطية حقوق الإنسان العربي و تلقي الضوء على معاناته، و نذكر من هذه المجلات مجلة الشعب العربي و مجلة منبر حر التي كانت تصدر بثلاث لغات العربية و الإنكليزية و الفرنسية و أيضاً مجلة الفرسان و التي تأسست عام 1967.
و عقد العميد رفعت خلال إقامته في جنيف عشرات اللقاءات مع رؤساء و مسؤولين عرب و أوروبيين و كلهم تمنوا على سيادته أن يعود إلى سوريا.
و في تلك الأثناء كانت سوريا تعيش اضطرابات و فوضى داخلية بسبب الصدامات بين النظام و الآلاف من مؤيدوا العميد رفعت الأسد. و ترافقت هذه الإضطرابات مع غضب شعبي عارم بسبب غلاء أسعار المواد الغذائية و اختفاء العديد من المواد التموينية من الأسواق حيث بدأ التجار يعمدون إلى احتكار المواد التموينية بمؤازة بعض المسؤولين الفاسدين.
و من ناحية أخرى اندلعت اشتباكات عنيفة بين النظام السوري و سكان تجمع السومرية الذي يقطنه عدة آلاف من عائلات ضباط و جنود سرايا الدفاع، و ذلك بسبب قيام النظام بتسريح آلاف الضباط و الجنود و قيامه بتوجيه إنذارات لهم لإخلاء بيوتهم دوت تأمين بيوت بديلة فثار السكان احتجاجاً على هذه الإجراءات التعسفية و أندلعت إشتباكات عنيفة بينهم و بين السلطة و قاموا بإحراق الإطارات تعبيراً عن الغضب و قطعوا الطريق المؤدي إلى السومرية و بعد عدة مجابهات سقط خلالها العديد من الضحايا بين قتيل و جريح استطاع سكان السومرية طرد قوات النظام إلى خارج حدود التجمع السكني، و بفروسيته المعهودة أرسل العميد رفعت مبعوثاً إلى سكان تجمع السومرية و طلب منهم التعاون مع السلطات ريثما يعود إلى أرض الوطن. و خارجياً أخذت سوريا تمر بأزمات أشد من السابق و خاصة مع أمريكا و فرنسا و العديد من الدول العربية. و كان غضب الفرنسيين على أشده بسبب التدخل السوري السافر في شؤون لبنان فأرسلت سوريا دعوة للرئيس فرانسوا ميتيران لزيارة سوريا و على الفور أجتمع الرئيس الفرنسي بالعميد رفعت و درس معه هذه الدعوة و أكد الرئيس الفرنسي للعميد رفعت أنه لن يزور سوريا إذا لم يكن هو على أراضيها راجياً إياه أن يعود إليها.
فاستنجد الرئيس بالعميد رفعت و أرسل إليه المرحوم باسل الأسد و السيدة بشرى الأسد كي يرجوا عمهما بالتدخل و العودة إلى سوريا بشروطه هو و أن الرئيس موافق على إجراء الإصلاحات كما كان يريدها هو. و بعدها بأيام أصدر الرئيس أمراً يقضي بتعيين العميد رفعت رئيساً لجهاز الأمن القومي بالإضافة إلى منصب نائب الرئيس.
وساطات الرؤساء و المسؤولين العرب و الرئيس الفرنسي و زيارة باسل و بشرى، لهذه الأسباب مجتمعة وافق العميد رفعت على العودة لإعطاء فرصة أخرى للنظام السوري و لاختبار مدى جديته في مباشرة الإصلاحات.
و عندما وصل العميد رفعت إلى المطار كان باستقباله مئات الألوف من مواطني سوريا و أكثر من ثلاثين ألف فارس من فرسان سرايا الدفاع حيث تجمهروا على الطريق المؤدي إلى مطار دمشق الدولي لتحية سيادته. و بدء فرسان سرايا الدفاع بإطلاق العيارات النارية لثلاثة أيام متواصلة و بدون توقف.
ذهب العميد رفعت إلى القصر الرئاسي و قابل الرئيس، و لا ندري ممن ساق إلينا السيد باتريك كلمة (ركع) فنحن المسلمون لا نركع أو نسجد إلا لله سبحانه و تعالى. نعم قام العميد رفعت بتقبيل يد أخيه الكبير و هذه من عادات البيت الذي نشأ فيه سيادته إذا في المقابل أيضاً كان المرحوم حافظ الأسد يقبل أيادي أخوته الكبار و هذه من العادات الحميدة التي نفخر بها نحن العرب، و إن دل هذا على شيئ فإنما يدل على عظمة أخلاق العميد رفعت و حرصه على عدم التفريط أو العبث بالرابط الأسري مهما كانت خلافاته مع أخيه الرئيس.
طبعاً، و بغض النظر عن الكثير من التحفظات التي كانت لدى العميد رفعت على طريقة تعامل الرئيس مع أتباعه خلال فترة غيابه، فقد عاد العميد رفعت على أمل المباشرة بتنفيذ إصلاحات جذرية على الصعيد الداخلي لتحسين عمل أجهزة الدولة و رفع سوية كوادرها و الدفع بسرعة لحل الأزمة الإقتصادية التي كان يعاني منها الشعب السوري في تلك المرحلة. و عمل العميد رفعت منذ وصوله على تهدئة أتباعه واعداً إياهم أن الإصلاحات ستكون كفيلة بتحقيق الإزدهار لكل أبناء الشعب السوري.
و كرئيس لجهاز الأمن القومي يتبع له كل الأجهزة الأمنية الأخرى باشر العميد رفعت بإجراء بعض التنقلات بين ضباط الأمن و إذا بالرئيس حافظ الأسد يطلب منه إلغاء هذه التنقلات و إبقاء الوضع على ما هو عليه. فقال له العميد رفعت كيف أدير الأمن في البلد إذا كنت غير قادر على نقل ضابط من مكان لآخر، فقال له الرئيس ولكن هؤلاء الضباط جيدون و يقومون بعملهم بشكل صحيح و طلب منه التريث حتى انقضاء المؤتمر القطري.
و فعلاً تم انعقاد المؤتمر بعد أيام ليجسد أكبر مهزلة سياسية عرفتها سوريا في القرن العشرين. فهل يُعقل أن يقوم شخص واحد بتعيين أعضاء اللجنة المركزية التي بدورها ستنتخب القيادة القطرية؟!!! هل يُعقل أن يتم أختصار الحزب الحاكم، بكل كوادره و مؤسساته، بشخص واحد؟!!!
و هل سمع أحداً في العالم عن أنتخابات يفوز فيها شخص بنسبة 99,97 بالمائة؟ و هنا كانت نهاية حزب البعث عملياً و لم ينعقد بعدها أي مؤتمر إلّا بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد، ليصار إلى سطر مهزلة أخرى خلاله، فتم تزوير دستور البلاد ليتوافق مع عمر الوريث!!!
بعد أن شهد العميد رفعت مهزلة مؤتمر 1985 و نتيجة الـ 99,97 بالمائة تأكد أن الرئيس لا يُمكن أن يكون جاداً بإجراء أي نوع من الإصلاحات و أن همه الوحيد هو البقاء في السلطة محاطاً بحفنة من المسؤولين الطيعين الذين لا يعملون شيئاً سوى تنفيذ رغباته و أوامره و بالمقابل فإن كل شيئ لهم مُباح.
و لا تعجب عزيزي القارئ، فهل تعلم أن وزير الدفاع مصطفى طلاس كان غير قادر على نقل ضابط أو عسكري إلّا بأمر من رئيس الجمهورية؟ نعم، لقد كان طلاس يعمل أي شيئ ما عدا الأعمال التي يقوم بها عادة وزير دفاع دولة!! و الأمر نفسه ينسحب على بقية المسؤولين. و لهذا السبب فإننا لم نسمع و لا مرة أنه قد تمت معاقبة أي مسؤول سوري لتقصيره في عمله، بل لم نسمع إلّا عن ترقيتهم لمناصب أعلى...!! و المرة الوحيدة التي تمت معاقبة بعضهم فيها هي عندما تمت معاقبة العماد الشهابي و اللواء محمد الخولي و اللواء علي حيدر لأنهم وقفوا بوجه توريث حكم البلد لبشار الأسد. و للتصحيح لم تكن عقوبة بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت فضيحة للشهابي و بهدلة لمحمد الخولي و إعتقال لعلي حيدر + طرد من الخدمة للجميع.
هذا بالنسبة للقادة العسكريين، أما بالنسبة للمسؤولين المدنيين فإننا جميعاً لم ننسى بعد قصة المرحوم محمود الزعبي صاحب أطول فترة رئاسة وزراء في سوريا حيث بقي رئيساً للوزراء لثلاثة عشر عاماً و نيف. و شغل قبلها أيضاً رئاسة مجلس الشعب لسبع سنوات. و مع ذلك فإنه لم يعمل شيئاً له علاقة لا برئاسة مجلس الشعب و لا برئاسة الوزراء، بل كان يُنفذ ما يُؤمر به فقط.
إذاً، تم ضرب الناس بيد من حديد و الجهة التي ستتحمل المسؤولية جاهزة!! و هذه هي الغاية التي كُتِبَ لأجلها كتاب الأمير.
و قد قام البارع باتريك سيل بفضح هذه اللعبة عندما قال "بدت أخطاء العميد رفعت تبرز للوعي العام فضائل الأسد".
طبعاً لم تكن هذه فقط هي أسباب أنتقاء العميد رفعت ليكون كبش فداء النظام. فلو لم يكن يوجد أسباب أخرى لكان ممكناً أن يكون اللواء علي حيدر أو غيره هو كبش الفداء. إنما يوجد أسباب أخرى لم يأخذها مكيافيللي بالحسبان، فمكيافيللي أتى بنظرية (أضرب شعبك بيد قوية و أستثمر عملية قطع هذه اليد لصالحك) أما النظام السوري فقد كيَّفها على مقاسه هو و عدَّلها ليتحقق له الآتي 1- التآمر على من يُطالب بحرية الشعب و بحقه الدستوري بانتخاب رئيس البلاد 2- إلقاء كل أخطاء النظام عليه و التنصل منها 3- إزاحة كل من يُمكن أن يشكل عقبة في طريق الوريث.
كانت ستكون هذه البنود الثلاث هي الفوائد التي تحققت للنظام السوري من إزاحة العميد رفعت لولا تدخل القدر هذه المرة، حيث شاء لكبش الفداء أن يكون أخو رئيس النظام، فساق له فائدة رابعة بأن جاءت عملية التآمر على العميد رفعت لتكون رسالة للقادة الآخرين مفادها أني هكذا فعلت بأخي فماذا ترون أني فاعل بمن تسول له نفسه اعتراض أسلوب حُكمي؟!!